د محمد حسنين يكتب – هل نحن مستعدون للتغيير.. أم أننا ننتظر حدوثه؟


د محمد حسنين

نائب امين التنظيم ومنسق عام لجنة المبرجين النقابية بحزب الدستور

23 اكتوبر 2026

هل نحن مستعدون للتغيير.. أم أننا ننتظر حدوثه؟

في تصريح للرئيس عبد الفتاح السيسي، أكد فيه أن الدولة المصرية لها دستور وافق عليه المصريون، وأن أحدًا لن يمسه، مكررًا التأكيد على ذلك مرة أخرى.

وجدت نفسي أمام سؤال ربما يكون أكثر أهمية من التصريح نفسه.

ليس السؤال هنا عما إذا كان الدستور سيتغير أم لا، ولا عن مدى إمكانية الوثوق بهذه التصريحات، خاصة في ظل تجربة سابقة شهدت تعديلات دستورية عام 2019، وإنما السؤال الذي أظن أننا تأخرنا كثيرًا في طرحه:

هل نحن مستعدون للتغيير أصلًا؟

وهنا لا أقصد بالتغيير مجرد رحيل رئيس ومجيء آخر، أو انتقال السلطة من مجموعة إلى أخرى، وإنما أقصد تغييرًا سياسيًا حقيقيًا يؤسس لدولة تقوم على تداول السلطة، وسيادة القانون، واحترام الحقوق والحريات؛ دولة لا يتوقف مستقبلها على إرادة شخص، ولا تكون مؤسساتها رهينة لبقائه أو رحيله.

والحقيقة أن الرغبة في التغيير شيء، والاستعداد له شيء آخر تمامًا.

فقد تتفق قطاعات واسعة من المجتمع على رفض واقع سياسي أو اقتصادي معين، لكنها تختلف اختلافًا جذريًا حول البديل، وحول شكل الدولة التي تريد بناءها، بل وحول القواعد التي ينبغي أن تحكم خلافاتها بعد التغيير.

وهنا تبدأ المشكلة.

أولًا: هل نحن كمجتمع جاهزون للتغيير؟

أظن أن سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية قد صنعت حالة واسعة من عدم الرضا، لكن عدم الرضا لا يعني بالضرورة وجود استعداد للتغيير.

فالمواطن الذي يعاني من ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى المعيشة قد يكون راغبًا بشدة في تغيير الأوضاع، لكنه في الوقت نفسه يخشى أن يؤدي أي تغيير سياسي إلى مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار.

وهذه المخاوف لا يجوز الاستهانة بها، ولا اختزال أصحابها في مؤيدين للسلطة أو خائفين من الحرية.

لقد مر المجتمع المصري بتجارب قاسية، وما زالت أحداث السنوات التي أعقبت يناير 2011 حاضرة في ذاكرة قطاعات كبيرة منه، سواء من حيث الآمال التي ارتبطت بتلك اللحظة، أو الصراعات التي أعقبتها، أو النهاية التي وصلت إليها التجربة.

ولهذا، لا يكفي أن نقول للمواطن إن الواقع سيئ ويجب تغييره، بل علينا أن نجيبه عن السؤال الأصعب:

ما الذي يضمن ألا يكون الغد أسوأ من اليوم؟

ولا أقصد هنا ضمانات مطلقة، فلا أحد يستطيع تقديمها، وإنما أقصد وجود تصور واضح ومقنع لكيفية إدارة الدولة، وحماية مؤسساتها، وضمان عدم تحول الخلاف السياسي إلى صراع على وجود الدولة نفسها.

إن المجتمع لا يحتاج فقط إلى الأمل في التغيير، بل يحتاج أيضًا إلى الثقة في أن هناك من يستطيع إدارة هذا التغيير.

لكن هذه الثقة لا يمكن أن تنشأ من فراغ، ولا يمكن مطالبة المواطنين بها دون أن يروا أمامهم بدائل سياسية حقيقية، تمتلك برامج واضحة وقيادات قادرة على تحمل المسؤولية.

ولذلك، فإن جاهزية المجتمع للتغيير ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجاهزية القوى السياسية نفسها.

ثانيًا: هل المعارضة المصرية جاهزة للتغيير؟

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إزعاجًا لنا جميعًا، خصوصًا لمن يعتبرون أنفسهم جزءًا من المعارضة المصرية.

هل لدينا معارضة مستعدة بالفعل لتولي المسؤولية، أم معارضة تجيد الاعتراض أكثر مما تجيد تقديم البدائل؟

علينا أولًا أن نعترف بأن المعارضة المصرية ليست كيانًا واحدًا، بل تتكون من تيارات وأحزاب ومجموعات وشخصيات تختلف في رؤيتها للدولة والاقتصاد والدين والحريات والعلاقات الخارجية.

وهذا الاختلاف في حد ذاته ليس عيبًا، بل هو جوهر أي حياة سياسية طبيعية.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الاختلافات إلى عجز دائم عن الاتفاق، حتى على الحد الأدنى من القواعد المشتركة.

هل تمتلك المعارضة اليوم تصورًا متفقًا عليه لضمان التداول السلمي للسلطة؟

هل لديها رؤية لإصلاح المؤسسات دون هدمها؟

هل تستطيع تقديم بدائل اقتصادية واقعية، لا تكتفي بانتقاد الغلاء والديون، وإنما تشرح كيف يمكن التعامل معهما، وما التكلفة الاجتماعية للقرارات المطلوبة؟

هل لديها كوادر قادرة على إدارة الوزارات والمحافظات والمؤسسات العامة؟

وهل تستطيع، قبل كل ذلك، إقناع المواطنين بأنها لا تسعى فقط إلى استبدال سلطة بأخرى؟

هذه أسئلة لا أطرحها للتشكيك في المعارضة، وإنما لأنني أعتقد أن تجاهلها يمثل خطرًا على أي فرصة مستقبلية للتغيير.

ومن الإنصاف أيضًا أن نعترف بأن المعارضة لا تستطيع تطوير قدراتها بصورة طبيعية في غياب المجال السياسي المفتوح، وأن ضعفها الحالي ليس كله نتيجة أخطائها الذاتية.

لكن هذه الحقيقة، رغم أهميتها، لا تعفينا من مسؤولية مراجعة أنفسنا.

فالمعارضة التي تريد أن تصبح بديلًا حقيقيًا لا يكفي أن تمتلك الحق في الاعتراض، بل يجب أن تمتلك كذلك القدرة على تقديم مشروع سياسي مقنع.

ولا يكفي أن تتفق على ما ترفضه، بل ينبغي أن تتفق على الحد الأدنى مما تريد بناءه.

والأهم أن تتمكن من ممارسة الديمقراطية داخل مؤسساتها، قبل أن تطالب المجتمع بالثقة في قدرتها على إدارة دولة ديمقراطية.

ثالثًا: صراعات المعارضة.. هل نمارس الديمقراطية التي نطالب بها؟

ربما تكون واحدة من أكبر مشكلات المعارضة المصرية هي علاقتها بنفسها.

فمنذ يناير 2011 وحتى اليوم، شهدنا صراعات بين التيارات المدنية والإسلامية، وبين القوى الليبرالية واليسارية، بل وبين مجموعات تنتمي إلى التيار السياسي نفسه.

وفي أحيان كثيرة، لم يكن الخلاف حول البرامج أو السياسات، وإنما تحول إلى تخوين متبادل، وتشكيك في النوايا، وصراع على التمثيل والقيادة والأحقية في الحديث باسم الشعب أو الثورة أو المعارضة.

والأخطر أن بعض هذه الخلافات تجاوز حدود المنافسة السياسية المشروعة، حتى أصبح الخصم السياسي في نظر خصمه خطرًا ينبغي التخلص منه، لا منافسًا ينبغي التعايش معه.

وأعتقد أن هذا هو الدرس الأكبر الذي لم نستوعبه بما يكفي.

الحركة المدنية.. هل أصبحت الديمقراطية شعارًا لا ممارسة؟

لعل ما شهدته الحركة المدنية الديمقراطية خلال السنوات الأخيرة يمثل نموذجًا واضحًا لأزمة المعارضة مع نفسها.

فالحركة التي نشأت باعتبارها إطارًا جامعًا لقوى سياسية مختلفة، يُفترض أنها تتفق على الحد الأدنى من المبادئ الديمقراطية، أصبحت تواجه خلافات متكررة بين مكوناتها، وصلت إلى انسحاب بعض الأحزاب أو تجميد مشاركتها، ثم تصاعدت مجددًا مع الخلافات حول تشكيل هياكلها القيادية.

ورغم أن الاختلاف حول المواقف السياسية أمر طبيعي، بل مطلوب، فإن ما يستحق التوقف أمامه هو طريقة إدارة هذه الاختلافات.

ولعل موقف الحركة المدنية من الصراعات الداخلية لحزب الدستور يطرح نموذجًا أكثر وضوحًا لهذه الأزمة.

فبدلًا من أن تكون الحركة مظلة تحمي استقلال الأحزاب المنضوية تحتها، وتقف على مسافة واحدة من أطراف النزاعات الداخلية، أُثيرت اتهامات بانحيازها إلى مجموعة متنازع على شرعيتها في تمثيل الحزب، والتعامل معها باعتبارها ممثلًا له، رغم اعتراضات أطراف أخرى تتمسك بشرعية مؤسسات الحزب وإجراءاتها التنظيمية.

والأخطر من ذلك ما يُثار عن تأثير بعض الشخصيات العامة داخل الحركة وخارجها في تحديد موقفها من هذا الصراع، وعن ضغوط حالت دون اتخاذ موقف مؤسسي واضح يحترم استقلال الحزب ويترك لأعضائه ومؤسساته المختصة حسم خلافاتهم.

وهنا لا يصبح السؤال متعلقًا بحزب الدستور وحده، بل بطبيعة الحركة المدنية نفسها، وبمدى استقلال قرارها عن رغبات بعض الشخصيات المؤثرة فيها.

هل أصبحت مواقف الحركة تُحدَّد وفقًا لمبادئ ديمقراطية وقواعد مؤسسية واضحة، أم وفقًا لحسابات وتوازنات واعتبارات شخصية؟

وهل يجوز أن يتوقف احترام شرعية المؤسسات الحزبية على مدى رضا بعض الشخصيات العامة عن القيادات التي أفرزتها تلك المؤسسات؟

ثم إن هناك تساؤلًا أكثر خطورة ينبغي طرحه بصراحة:

هل تفضل بعض الشخصيات المؤثرة في العمل المعارض وجود أحزاب صغيرة وضعيفة، يسهل توجيهها والتأثير في قراراتها، بدلًا من وجود أحزاب قوية ومستقلة تمتلك قواعد تنظيمية وإرادة سياسية قد تختلف معها؟

لا أستطيع الجزم بنوايا هؤلاء، لكن هذا التساؤل تفرضه طبيعة الخلافات والاتهامات المثارة، ويستحق إجابة واضحة، خصوصًا عندما يكون ثمن استمرار الصراع هو إضعاف حزب سياسي واستنزاف قدرته على العمل.

فإذا كانت بعض الشخصيات ترى في استقلال الأحزاب وقوة مؤسساتها عائقًا أمام نفوذها داخل التحالفات، فإن المشكلة تصبح أكبر بكثير من خلاف على قيادة حزب.

إنها، عندئذ، أزمة في فهم الديمقراطية نفسها.

فالديمقراطية لا تعني أن نحترم استقلال الأحزاب ما دامت قراراتها توافق رغباتنا، ثم نسعى إلى تجاوز مؤسساتها عندما تختار قيادات أو مواقف لا ترضينا.

ولا يمكن للحركة المدنية أن تطالب السلطة باحترام استقلال الأحزاب، بينما تُثار حولها اتهامات بالتدخل في شؤون أحد مكوناتها أو منح الغطاء السياسي لطرف متنازع على شرعيته.

والأمر الذي يستحق التوقف عنده أيضًا هو مدى قدرة الحركة على اتخاذ قرارات مستقلة عندما تتعارض مع رغبات بعض الشخصيات العامة المؤثرة فيها.

فهل تمتلك الحركة مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، حتى لو لم يرضَ عنه بعض رموزها؟

أم أن نفوذ الأشخاص أصبح أقوى من المؤسسات، وأصبح الحفاظ على التوازنات الشخصية أهم من الالتزام بالقواعد الديمقراطية؟

إن عجز أي تحالف سياسي عن اتخاذ موقف مؤسسي مستقل بسبب نفوذ بعض الشخصيات داخله يمثل مشكلة خطيرة، حتى لو كان هذا التحالف يضم شخصيات لها تاريخ طويل في الدفاع عن الديمقراطية والحريات.

فالتاريخ السياسي لا يمنح أحدًا حق الوصاية الدائمة على الأحزاب، ولا يجعل صاحبه فوق النقد أو المساءلة.

والأحزاب القوية المستقلة ينبغي أن تكون مصدر قوة لأي تحالف ديمقراطي، لا مصدر قلق لمن اعتادوا إدارة التحالفات من خلال التفاهمات الشخصية.

والمفارقة أن الحركة المدنية التي يُفترض أن تعمل على تقوية أحزاب المعارضة وتوسيع قدرتها على المشاركة السياسية، قد تجد نفسها، إذا استمرت هذه الممارسات وثبتت الاتهامات المتعلقة بها، مساهمة في إضعاف أحد الأحزاب التي كان ينبغي أن تدافع عن استقلالها.

وهنا يعود السؤال الأساسي:

هل توجد قواعد واضحة وملزمة لاتخاذ القرارات داخل الحركة؟

هل تتمتع جميع مكوناتها بحقوق متساوية في المشاركة والاعتراض؟

هل تُحترم إرادة المؤسسات الحزبية المنتخبة، أم يمكن تجاوزها عندما لا تتفق قراراتها مع رغبات بعض القيادات؟

وهل تُدار الخلافات وفق قواعد مؤسسية، أم أن العلاقات الشخصية والتوازنات بين المجموعات السياسية أصبحت أكثر تأثيرًا من المبادئ التي تأسست عليها الحركة؟

إن هذه الأسئلة تكتسب أهمية مضاعفة عندما تصدر عن حركة تحمل الديمقراطية في اسمها وتضعها في مقدمة أهدافها.

فكيف يمكننا مطالبة السلطة باحترام التعددية وتداول السلطة وحرية الاختلاف، بينما نعجز نحن عن تطبيق المبادئ نفسها داخل تجمعاتنا السياسية؟

ولا أعتقد أن المشكلة تكمن في وجود خلافات داخل الحركة المدنية، وإنما في تحول بعض هذه الخلافات إلى أزمات تهدد قدرتها على البقاء إطارًا جامعًا.

فالتعددية الحقيقية لا تعني مجرد جمع أحزاب مختلفة حول طاولة واحدة، وإنما تعني قبول حق كل منها في الاختلاف، واحترام استقلال مؤسساتها، وعدم استخدام النفوذ التنظيمي أو السياسي أو العلاقات الشخصية لفرض مواقف عليها.

وإذا كانت الحركة المدنية تريد أن تقدم نفسها باعتبارها نموذجًا بديلًا للعمل السياسي في مصر، فعليها أن تثبت أولًا قدرتها على إدارة شؤونها بالديمقراطية التي تطالب بها.

فلا يمكن أن نبني معارضة قوية بأحزاب ضعيفة، ولا أن نبني تحالفًا ديمقراطيًا بإضعاف استقلال مكوناته، ولا أن نطالب بإنهاء حكم الفرد في الدولة بينما نقبل بنفوذ الأشخاص على حساب المؤسسات داخل المعارضة.

حزب الدستور.. صراع على الشرعية ومحاولة لفرض الأمر الواقع

وربما يكون ما يجري داخل حزب الدستور أكثر إيلامًا؛ فالحزب الذي تأسس على مبادئ الديمقراطية واحترام إرادة أعضائه يواجه اليوم أزمة تتمثل في ادعاء مجموعة صغيرة شرعية قيادته وتمثيله داخل الحركة المدنية، رغم علم قيادات الحركة، بحسب ما أراه، بعدم أحقيتها في ذلك، واستمرار مساندتها ومنحها غطاءً سياسيًا، بما يثير تساؤلات جدية حول دور الحركة في الصراع الداخلي، ومدى سعيها للتأثير في قرار الحزب بدلًا من احترام استقلاله وإرادة أعضائه.

هل نحتاج إلى تحالفات جديدة تلملم جراح المعارضة؟

ربما تدفعنا هذه الصراعات إلى التفكير في سؤال أكبر من مستقبل الحركة المدنية أو حزب الدستور.

هل أصبحت المعارضة المصرية بحاجة إلى إعادة بناء تحالفاتها السياسية؟

وهل يمكن أن تنشأ تحالفات جديدة تتجاوز صراعات الماضي، وتعيد جمع القوى التي فرقتها الخلافات التنظيمية والشخصية؟

أعتقد أن الإجابة تستحق التفكير الجاد.

لكن إنشاء تحالفات جديدة ليس هدفًا في حد ذاته، ولا ينبغي أن يتحول إلى مجرد إعادة توزيع للأشخاص والمواقع بين مجموعات المعارضة.

فإذا انتقلت إلى التحالفات الجديدة العقليات نفسها التي أفسدت العلاقات داخل التحالفات القديمة، فلن نكون قد فعلنا شيئًا سوى نقل الأزمة من إطار تنظيمي إلى آخر.

ما نحتاج إليه ليس مجرد تحالف جديد، وإنما منهج جديد للتحالف.

منهج يقوم على استقلال الأحزاب، واحترام مؤسساتها المنتخبة، ووضوح قواعد اتخاذ القرار، وحق الاختلاف، ورفض الإقصاء، والاحتكام إلى آليات عادلة لحل النزاعات.

والأهم ألا يُشترط الاتفاق على كل شيء من أجل التعاون في بعض الأشياء.

فليس مطلوبًا من الليبرالي أن يصبح يساريًا، ولا من اليساري أن يتخلى عن أفكاره، ولا من أي حزب أن يفقد استقلاليته حتى يصبح جزءًا من جبهة سياسية أوسع.

يكفي الاتفاق على مجموعة من المبادئ الدستورية والديمقراطية التي تضمن حق الجميع في المنافسة السلمية وتداول السلطة.

ولعل البداية الحقيقية تكون بمراجعة شجاعة لما جرى، واعتراف كل طرف بنصيبه من المسؤولية، والتوقف عن تحويل الخلافات السياسية إلى خصومات دائمة.

فلا يمكن أن نتحدث عن مصالحة حقيقية دون معالجة أسباب الانقسام، ولا يمكن بناء الثقة دون ضمانات تمنع تكرار الممارسات التي أدت إلى فقدانها.

وقد تكون هناك فرصة لإصلاح الأطر القائمة، وربما تظهر الحاجة إلى تحالفات جديدة، لكن المعيار في الحالتين يجب ألا يكون عدد الأحزاب المشاركة ولا شهرة قياداتها، وإنما مدى التزامها العملي بالديمقراطية واحترام استقلال مكوناتها.

إن المعارضة المصرية لا تملك رفاهية استنزاف ما تبقى من طاقتها في صراعات داخلية لا تنتهي.

فبينما ينشغل البعض بمعركة السيطرة على حزب، أو الحصول على مقعد داخل تحالف، أو تثبيت شرعية قيادة، تستمر التحديات التي يواجهها المواطن المصري، وتتراجع قدرة المعارضة على طرح بدائل حقيقية.

وإذا كانت المعارضة تريد أن تكون جاهزة للتغيير، فعليها أن تثبت أولًا أنها قادرة على تغيير أساليبها في إدارة خلافاتها.

فليس من المنطقي أن نطالب بدولة تحترم إرادة المواطنين، بينما لا نحترم إرادة أعضاء أحزابنا.

وليس من المقبول أن نرفض احتكار السلطة على مستوى الدولة، ثم نتسامح مع محاولات احتكار القرار داخل أحزابنا وتحالفاتنا.

وليس معقولًا أن نطالب بمؤسسات قوية ومستقلة، ثم نقبل بإضعاف مؤسساتنا الحزبية كلما تعارضت قراراتها مع مصالح مجموعة من أعضائها.

إن الديمقراطية التي لا نستطيع ممارستها ونحن في المعارضة، يصعب أن نقنع المواطنين بأننا سنحترمها إذا وصلنا إلى السلطة.

رابعًا: التضييق الأمني.. كيف يمكن لمعارضة أن تنضج في غياب السياسة؟

لكن الحديث عن أخطاء المعارضة وحدها سيكون حديثًا منقوصًا، وربما ظالمًا، إذا تجاهلنا الظروف التي تعمل فيها.

فالأحزاب السياسية لا تنمو في الفراغ، والقيادات لا تُصنع بالمصادفة، والبرامج لا تُختبر إلا من خلال المشاركة الفعلية في الحياة العامة.

وعندما تضيق مساحات العمل الحزبي، وتضعف حرية التعبير والتنظيم والتجمع، وتتراجع فرص المنافسة السياسية الحقيقية، فإن النتيجة الطبيعية هي معارضة أقل قدرة على اكتساب الخبرة والتواصل مع المجتمع.

لقد أصبح العمل السياسي المعارض في مصر محاطًا بقيود كبيرة، وتوثق تقارير حقوقية محلية ودولية استمرار ملاحقة بعض المعارضين والصحفيين والنشطاء، إلى جانب القيود المفروضة على المجال العام.

وهنا تبدو المفارقة شديدة الوضوح:

كيف نطالب المعارضة بأن تكون بديلًا سياسيًا ناضجًا، بينما لا نتيح لها الفرصة الطبيعية للنمو والتجربة والتعلم واكتساب ثقة المواطنين؟

إن الحزب السياسي الذي لا يستطيع التواصل بحرية مع المواطنين، أو تنظيم أنشطته بصورة طبيعية، أو المنافسة في بيئة انتخابية عادلة، سيفقد تدريجيًا القدرة على أداء دوره.

والأخطر من إضعاف المعارضة أن إغلاق المجال العام يحرم الدولة نفسها من وجود بدائل سياسية منظمة يمكنها تحمل المسؤولية عند الحاجة.

فالدولة القوية ليست الدولة التي لا يوجد فيها معارضون، وإنما الدولة التي تستطيع إدارة الخلافات السياسية داخل مؤسساتها، دون أن يتحول كل اختلاف إلى تهديد للاستقرار.

ومن المفارقات أن التضييق الأمني لا يؤثر فقط في قدرة المعارضة على العمل، بل يساهم أيضًا في تعميق أزماتها الداخلية.

فحين تضيق فرص المشاركة السياسية الحقيقية، قد تتحول الصراعات من المنافسة على تقديم برامج للمواطنين إلى المنافسة على المواقع المحدودة المتاحة داخل الأحزاب والتحالفات.

وحين تغيب الانتخابات التنافسية والعمل الجماهيري الواسع، تصبح الخلافات التنظيمية والشخصية أكثر حضورًا من الخلافات البرامجية.

وبذلك نجد أنفسنا أمام دائرة مغلقة: تضييق يضعف المعارضة، ومعارضة يزداد ضعفها بفعل صراعاتها، ثم يُستخدم ضعفها أحيانًا باعتباره دليلًا على عدم وجود بديل سياسي جاهز.

وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة مهمة.

لا يمكن مطالبة المعارضة بأن تنضج سياسيًا مع حرمانها من أدوات النضج، كما لا يمكن للمعارضة أن تجعل التضييق عليها مبررًا للتخلي عن الديمقراطية داخل مؤسساتها.

هناك مسؤولية على السلطة في فتح المجال السياسي، ومسؤولية أخرى على المعارضة في مراجعة أدائها وتطوير أفكارها وإدارة خلافاتها بصورة ديمقراطية.

ولا يجوز استخدام إحدى المسؤوليتين لإلغاء الأخرى.

خامسًا: كيف نكون جاهزين للتغيير؟

أعتقد أن أولى خطوات الاستعداد للتغيير تبدأ بالتوقف عن التعامل معه باعتباره حدثًا مفاجئًا ننتظر وقوعه، والبدء في النظر إليه باعتباره عملية سياسية ومجتمعية تحتاج إلى إعداد طويل.

ولعل أهم ما نحتاج إليه اليوم هو إعادة بناء الثقة، ليس فقط بين المعارضة والمواطنين، وإنما بين مكونات المعارضة نفسها.

ولا أعتقد أن المطلوب هو تشكيل جبهة تضم الجميع تحت قيادة واحدة؛ فهذا قد يكون غير واقعي، وربما غير مطلوب أصلًا.

لكن المطلوب هو الوصول إلى حد أدنى من التفاهم الوطني حول القواعد الأساسية التي لا ينبغي أن تكون محل صراع، أيًا كان الطرف الذي يصل إلى السلطة.

وفي مقدمة هذه القواعد احترام الدستور وسيادة القانون، وضمان استقلال القضاء، وحرية الصحافة، والحق في التنظيم السياسي، والتداول السلمي للسلطة، وحياد مؤسسات الدولة في المنافسة الحزبية.

ثم يأتي العمل الأكثر صعوبة: الانتقال من المعارضة بالشعارات إلى المعارضة بالبرامج.

نحتاج إلى رؤى اقتصادية قابلة للنقاش والتنفيذ، وإلى تصورات واضحة للتعليم والصحة والإدارة المحلية، وإلى كوادر تمتلك الخبرة والكفاءة، لا مجرد الشعبية أو القدرة على الخطابة.

ونحتاج كذلك إلى مراجعة صريحة لتجاربنا السابقة، بعيدًا عن منطق تبرئة الذات وتحميل الآخرين المسؤولية كاملة.

ما الأخطاء التي ارتكبناها بعد يناير؟

لماذا عجزنا عن بناء توافق سياسي مستمر؟

لماذا تحولت اختلافات كان يمكن إدارتها سياسيًا إلى صراعات وجودية؟

وكيف يمكن أن نضمن ألا تتكرر هذه الأخطاء؟

هذه المراجعة لا تستهدف إعادة فتح معارك الماضي، وإنما تستهدف التعلم منها.

لكنني أعتقد أن مراجعة الماضي وحدها لا تكفي.

فنحن بحاجة إلى أحزاب تمارس الديمقراطية في اختيار قياداتها، وتحترم لوائحها وقرارات مؤسساتها، وتقبل بالتداول الداخلي للسلطة، وتتيح الفرصة لأجيال جديدة من السياسيين.

وبحاجة إلى تحالفات لا تقوم على العلاقات الشخصية بين القيادات فقط، وإنما على قواعد مكتوبة وملزمة تحمي استقلال مكوناتها وتمنع سيطرة طرف على الآخرين.

وبحاجة إلى معارضة تتعلم أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن خسارة انتخابات داخل حزب لا تعني نهاية العمل السياسي، وأن القيادة ليست حقًا مكتسبًا لأحد.

وفي المقابل، نحن بحاجة إلى مجال سياسي مفتوح يسمح لهذه الأحزاب بأن تعمل وتتنافس وتخطئ وتتعلم، وأن تختبر برامجها أمام المواطنين بدلًا من أن تظل حبيسة الاجتماعات المغلقة والبيانات السياسية.

فالديمقراطية لا تُبنى بقرار واحد، ولا تتحقق بمجرد تعديل دستوري أو تغيير قيادة، وإنما تحتاج إلى مؤسسات وقواعد وثقافة سياسية تحترم الاختلاف، وتقبل المحاسبة، وتؤمن بأن السلطة مؤقتة وليست ملكية دائمة.

والأهم أن نفهم أن التغيير الحقيقي لا يتحقق بمجرد الاتفاق على رفض الواقع الحالي، وإنما بالقدرة على الاتفاق على قواعد بناء المستقبل.

فالبلاد لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها، ولا بالحماس، ولا بالغضب مهما كانت أسبابه مشروعة.

إنها تُدار بالمؤسسات والبرامج والكفاءات والتوافقات والقواعد التي يقبل الجميع الاحتكام إليها.

أخيرًا.. هل نريد التغيير أم نستعد له؟

أعود إلى تصريح الرئيس بشأن الدستور.

قد يرى البعض فيه طمأنة، وقد يستقبله آخرون بالشك في ضوء التجارب السابقة، لكنني أرى أن النقاش الأكثر أهمية يجب ألا يتوقف عند سؤال ما الذي تنوي السلطة فعله بالدستور.

بل يجب أن يمتد إلى سؤال آخر:

ماذا نفعل نحن حتى لا يظل مستقبل البلاد كله مرتبطًا بقرار السلطة وحدها؟

إن المشكلة الحقيقية ليست فقط في إمكانية تعديل الدستور أو عدم تعديله، وإنما في قدرتنا على بناء حياة سياسية يصبح فيها الدستور عقدًا ملزمًا للجميع، وتصبح فيها السلطة قابلة للتداول دون خوف، والمعارضة قادرة على الحكم دون إقصاء، والمواطن قادرًا على الاختيار دون وصاية.

ولا يمكن تحقيق ذلك بمعارضة تستنزف نفسها في صراعات داخلية، أو بأحزاب تتحول معاركها إلى صراع دائم على القيادة، أو بتحالفات ترفع شعارات الديمقراطية بينما تعجز عن إدارة اختلافاتها وفق هذه المبادئ.

كما لا يمكن تحقيقه في ظل تضييق مستمر على العمل السياسي، يحرم الأحزاب من التواصل مع المواطنين، ويمنع ظهور قيادات جديدة، ويضعف قدرة المجتمع على إنتاج بدائل حقيقية.

إننا بحاجة إلى شجاعة مزدوجة: شجاعة في مواجهة القيود المفروضة على المجال العام، وشجاعة أخرى في مواجهة أخطائنا داخل المعارضة نفسها.

فمن السهل أن ننتقد ممارسات السلطة، لكن الأصعب أن نعترف بأن بعض الممارسات التي نرفضها على مستوى الدولة قد نجد ما يشبهها داخل أحزابنا وتحالفاتنا.

ومن السهل أن نتحدث عن أهمية تداول السلطة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يُطلب منا التخلي عن موقع قيادي أو قبول نتيجة انتخابات داخلية لا ترضينا.

ومن السهل أن نطالب باستقلال المؤسسات، لكن علينا أولًا أن نحترم استقلال مؤسساتنا الحزبية، حتى عندما تتخذ قرارات تخالف رغباتنا.

ولا أعتقد أننا جاهزون اليوم بالقدر الكافي، لكنني لا أعتقد أيضًا أن هذه الجاهزية مستحيلة.

فلا تزال هناك قيادات وكوادر سياسية، داخل الأحزاب وخارجها، تستطيع المساهمة في بناء حياة سياسية أكثر نضجًا، إذا توفرت الإرادة الحقيقية لتجاوز الصراعات وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.

وقد تكون البداية في إصلاح الأطر السياسية القائمة، أو في ظهور تحالفات جديدة تستطيع جمع ما فرقته سنوات الخلافات، لكن النجاح لن يتوقف على الأسماء أو اللافتات، وإنما على قدرتنا على تغيير طريقة تفكيرنا وممارستنا للعمل السياسي.

وما أخشاه ليس فقط أن يتأخر التغيير، وإنما أن تأتي لحظته فنكتشف أننا أضعنا السنوات التي كان ينبغي أن نستعد فيها له.

فالتغيير قد تفرضه الظروف، لكن نجاحه لا تصنعه الظروف وحدها.

وإذا كنا نريد دولة ديمقراطية بحق، فعلينا أن نبدأ بممارسة الديمقراطية داخل أحزابنا وتحالفاتنا، وأن نتعلم احترام الاختلاف قبل أن نطالب الآخرين باحترامه.

وإذا كنا نرفض احتكار السلطة في الدولة، فلا يجوز أن نقبل باحتكارها داخل مؤسساتنا السياسية.

وإذا كنا نريد أن يثق المواطن في قدرتنا على إدارة مستقبل البلاد، فعلينا أن نثبت أولًا قدرتنا على إدارة خلافاتنا دون إقصاء أو تخوين أو محاولة للسيطرة على بعضنا البعض.

والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا من الآن ليس: متى يأتي التغيير؟

بل: ماذا أعددنا نحن لاستقباله؟

وهل سنكون هذه المرة جزءًا من صناعة مستقبل أفضل، أم سنعيد إنتاج صراعات الماضي ونضيع فرصة جديدة للتغيير؟