لماذا لا يشعر المواطن المصري بتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية؟ – دكتور اسلام فاضل

4 اكتوبر 2026

لماذا لا يشعر المواطن المصري بتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية؟


دكتور إسلام عبد الفاضل

عضو المكتب السياسي لحزب الدستور

مقدمة

شهد الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة تحسنًا في عدد من مؤشرات الاقتصاد الكلي، مثل انخفاض البطالة، وتراجع التضخم من ذروته، وتحسن الاحتياطيات الأجنبية، وعودة النمو إلى معدلات أعلى.

وفي المقابل، لا يشعر كثير من المواطنين بتحسن مماثل في مستوى معيشتهم، نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للجنيه وارتفاع تكلفة الاحتياجات الأساسية.

ولا يمثل ذلك تناقضًا بالضرورة؛ فهناك فرق بين تحسن بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي وبين تحسن الدخل الحقيقي ومستوى معيشة المواطن.


أولًا: المؤشرات التي تراجعت وتمثل ضغطًا على المواطنين

  1. تراجع القوة الشرائية للجنيه

شهد سعر الجنيه أمام الدولار انخفاضًا كبيرًا منذ 2014، حيث ارتفع سعر الدولار من نحو 7 جنيهات إلى مستويات تجاوزت 50 جنيهًا في السنوات الأخيرة.

وقد انعكس ذلك على أسعار السلع والخدمات، خاصة المنتجات المستوردة ومستلزمات الإنتاج، وأدى إلى تراجع القوة الشرائية للدخول المقومة بالجنيه.


  1. الارتفاع الكبير في المستوى العام للأسعار

وصل التضخم إلى نحو 38% في 2023 قبل أن يتراجع لاحقًا إلى مستويات أقل.

لكن انخفاض معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار؛ فالأسعار التي ارتفعت خلال السنوات السابقة لم تعد إلى مستوياتها القديمة.

لذلك أصبحت الأسرة المصرية تواجه تكلفة معيشة أعلى بكثير مما كانت عليه قبل سنوات.


  1. تراجع القوة الشرائية للدخل

حتى مع زيادة الأجور الاسمية، فإن السؤال الأهم هو: هل زادت الأجور أسرع من الأسعار؟

فعندما يرتفع الراتب بنسبة 30% بينما ترتفع تكلفة المعيشة بنسبة أكبر، فإن الزيادة الاسمية لا تعني تحسنًا حقيقيًا في مستوى المعيشة.


  1. ارتفاع تكلفة خدمة الدين

رغم تحسن نسبة الدين إلى الناتج في الفترة الأخيرة، فإن تكلفة خدمة الدين ما زالت مرتفعة للغاية.

وبحسب البنك الدولي، بلغت مدفوعات الفائدة نحو 10.6% من الناتج المحلي و87.1% من الإيرادات الضريبية في السنة المالية 2024/2025.

وكلما ارتفعت خدمة الدين، تقل الموارد المتاحة أمام الدولة لزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات العامة والاستثمار الاجتماعي.


  1. ارتفاع معدلات الفقر وضعف قدرة الأسر على تحمل الأزمات

بلغ معدل الفقر وفق أحدث مسح رسمي متاح نحو 33.5%.

كما تشير تقديرات البنك الدولي إلى زيادة الفقر وفق خطوط الفقر الدولية خلال فترة أزمة التضخم.

وهذا يعني أن قطاعات من الأسر أصبحت أكثر عرضة للتأثر بأي ارتفاع جديد في أسعار الغذاء أو السكن أو الطاقة.


  1. ضعف القدرة على الادخار

ارتفاع تكلفة الاحتياجات الأساسية أدى إلى استهلاك جزء أكبر من دخل الأسرة في الغذاء والسكن والمواصلات والتعليم والعلاج.

وبالتالي أصبح لدى كثير من الأسر مجال أقل للادخار أو مواجهة الطوارئ.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن تحسن مستوى المعيشة لا يقاس بالاستهلاك فقط، وإنما أيضًا بقدرة الأسرة على الادخار وبناء أمان مالي للمستقبل.


ثانيًا: أهم المؤشرات الاقتصادية التي تحسنت

رغم الضغوط السابقة، شهد الاقتصاد المصري تحسنًا في عدد من المؤشرات المهمة:

  • النمو الاقتصادي: تعافى النمو بعد تباطؤ 2023/2024، وسجل نحو 4.4% في 2024/2025، مع استمرار التعافي في 2025/2026.
  • البطالة: انخفضت بصورة كبيرة مقارنة بمستويات منتصف العقد الماضي، ووصلت إلى نحو 6.8% في 2025.
  • التضخم: انخفض من ذروة تقارب 38% في 2023 إلى نحو 13–14% في بداية 2026.
  • الاحتياطيات الأجنبية: ارتفعت إلى مستويات قياسية مقارنة بسنوات أزمة العملة السابقة.
  • الفائض الأولي: تحسن بصورة واضحة، وبلغ نحو 3.5% من الناتج في السنة المالية 2024/2025.
  • السياحة والتحويلات: شهدت تحسنًا في السنوات الأخيرة وساعدت في دعم موارد النقد الأجنبي.

هذه المؤشرات مهمة لأنها تعكس تحسنًا في استقرار الاقتصاد الكلي وقدرته على مواجهة الصدمات، لكنها لا تقيس وحدها مستوى معيشة المواطن.


لماذا لا يشعر المواطن بالتحسن؟

المواطن لا يقيس الاقتصاد بمعدل النمو أو حجم الاحتياطي الأجنبي، وإنما يقيسه بقدرته على تلبية احتياجات أسرته.

وهنا تظهر الفجوة بين المؤشرات الكلية والحياة اليومية.

  1. المواطن يتأثر بمستوى الأسعار وليس بمعدل التضخم فقط

انخفاض التضخم يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، وليس أنها عادت إلى مستوياتها السابقة.

  1. المواطن يهتم بالدخل الحقيقي وليس الدخل الاسمي

زيادة الراتب لا تعني تحسنًا إذا كانت الأسعار قد ارتفعت بنسبة أكبر.

المعيار الحقيقي هو: ماذا يستطيع الراتب أن يشتري؟

  1. انخفاض قيمة الجنيه ينتقل إلى حياة المواطن

لأن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد يعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مستلزمات مستوردة، فإن انخفاض قيمة الجنيه يرفع تكلفة الإنتاج والنقل والخدمات، وبالتالي ينتقل أثره إلى المستهلك.

  1. ثمار النمو لا تتوزع بالضرورة بالتساوي

قد يرتفع الناتج والاستثمار بينما لا تحصل جميع الفئات الاجتماعية على زيادة مماثلة في دخولها.

لذلك يجب التمييز بين:

نمو الاقتصاد

و

تحسن دخل المواطن.

  1. ارتفاع خدمة الدين يقلل مساحة الإنفاق الاجتماعي

حتى مع تحسن بعض مؤشرات المالية العامة، فإن ارتفاع تكلفة الفوائد يحد من الموارد التي يمكن توجيهها إلى الخدمات العامة وتحسين مستوى المعيشة.


التوصيات

إذا كان الهدف هو أن يشعر المواطن بنتائج التحسن الاقتصادي، فلا ينبغي أن تقتصر أهداف السياسة الاقتصادية على مؤشرات النمو والاحتياطي والتضخم، وإنما يجب إضافة مؤشرات مباشرة لرفاه الأسرة.

  1. اعتماد الدخل الحقيقي كمؤشر رئيسي

قياس نمو دخول المواطنين بعد خصم التضخم، وليس الاكتفاء بزيادة الأجور الاسمية.

  1. ربط الحد الأدنى للأجور بالتضخم وتكلفة المعيشة

بحيث تحافظ الزيادات في الأجور على القوة الشرائية للعاملين.

  1. إعطاء الأولوية لخفض تكلفة الغذاء والسكن والنقل

لأنها تمثل الجزء الأكبر من إنفاق الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

  1. زيادة الاستثمار الخاص والإنتاج المحلي

خصوصًا في الصناعات التي تقلل الاعتماد على الواردات وتزيد الصادرات وتوفر وظائف ذات إنتاجية وأجور أعلى.

  1. خفض تكلفة خدمة الدين

من خلال تحسين هيكل الدين، وإطالة آجاله، وخفض تكلفة الاقتراض، وزيادة الإيرادات الدولارية المستدامة.

  1. تحسين جودة الوظائف

لا يكفي خفض البطالة؛ المطلوب وظائف مستقرة، منتجة، وتأمينات اجتماعية، وأجور قادرة على مواكبة تكاليف المعيشة.

  1. توجيه الحماية الاجتماعية إلى الأكثر احتياجًا

مع تطوير برامج الدعم النقدي والعيني بحيث تحمي الأسر من الصدمات دون أن تتحول إلى بديل دائم عن زيادة الدخول وفرص العمل.

  1. نشر مؤشر دوري للقوة الشرائية للمواطن

إلى جانب مؤشرات النمو والتضخم والبطالة، بحيث تعلن الدولة بصورة دورية:

كم ساعة عمل يحتاج الموظف لشراء سلة الغذاء الأساسية؟

وما نسبة دخله التي تذهب إلى الغذاء والسكن والمواصلات؟

وكم تبقى له للادخار بعد الاحتياجات الأساسية؟


الخلاصة

شهد الاقتصاد المصري بالفعل تحسنًا في عدد من المؤشرات الكلية، وعلى رأسها النمو والبطالة والتضخم والاحتياطيات والفائض الأولي.

لكن في المقابل، تحمل المواطن تكلفة كبيرة نتيجة انخفاض قيمة الجنيه، وارتفاع المستوى العام للأسعار، وتراجع القوة الشرائية للدخل، وارتفاع تكلفة خدمة الدين، وتزايد الضغوط على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

لذلك فإن التحدي الاقتصادي في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يكون فقط:

«كيف نحافظ على تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي؟»

بل أيضًا:

«كيف نحول هذا التحسن إلى زيادة ملموسة في القوة الشرائية ودخل المواطن الحقيقي وقدرته على الادخار وتأمين مستقبل أسرته؟»

فنجاح السياسة الاقتصادية لا يكتمل عندما تتحسن أرقام الاقتصاد فقط، وإنما عندما يستطيع المواطن أن يشعر بهذا التحسن في حياته اليومية.