م هيثم ياور – نحو إطار وطني لإدارة الأصول الاستراتيجية وتعظيم العائد للمواطن المصري

نحو إطار وطني لإدارة الأصول الاستراتيجية وتعظيم العائد للمواطن المصري

صادرة عن: لجنة الطاقة والبيئة – حزب الدستور

اعداد م هيثم ياور

منسق عام لجنة الطاقة والبيئة

15 يونيو 2026

أولًا: مقدمة وتمهيد

شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في تنفيذ مشروعات قومية كبرى في مجالات الطاقة، والموانئ، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية. كما اتجهت الدولة نحو دراسة نماذج مختلفة لإدارة بعض الأصول العامة، بما يشمل الشراكات الاستثمارية مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي.

وانطلاقًا من المسؤولية الوطنية، ترى لجنة الطاقة والبيئة بحزب الدستور أن النقاش حول مستقبل هذه الأصول يجب ألا يُختزل في ثنائية “البيع أو الرفض”، وإنما ينبغي أن ينطلق من سؤال أكثر أهمية: كيف تحقق الدولة المصرية أعلى عائد اقتصادي واجتماعي واستراتيجي من أصولها الوطنية، بما يخدم مصالح المواطنين والأجيال القادمة؟

إن هذه الورقة لا تتبنى موقفًا رافضًا للاستثمار أو للشراكات الاقتصادية، كما لا تؤيد أي توجه بشكل مطلق، وإنما تدعو إلى تبني منهج يقوم على دراسة البدائل، وتعظيم المصلحة الوطنية، وتعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية.

ثانيًا: المبادئ الحاكمة لإدارة الأصول الاستراتيجية

ترى اللجنة أن أي قرار يتعلق بالأصول العامة ذات الأهمية الاقتصادية أو الاستراتيجية يجب أن يستند إلى المبادئ السبعة التالية:

  1. السيادة الوطنية: الحفاظ الكامل على السيادة المصرية وعدم المساس بالحقوق الوطنية.
  2. استدامة العوائد: تعظيم العائد الاقتصادي طويل الأجل للدولة والمواطن.
  3. الحوكمة والشفافية: ضمان الشفافية والإفصاح بشأن مبررات القرارات الكبرى.
  4. أولوية البدائل المحلية: إعطاء الأولوية للحلول الوطنية متى ثبتت جدواها.
  5. الاعتماد على الكفاءات: الاستفادة من الكفاءات المصرية في الإدارة والتشغيل.
  6. التوازن الاستراتيجي: تحقيق التوازن بين جذب الاستثمار وحماية المصالح الاستراتيجية.
  7. التقييم المستقل: إخضاع جميع البدائل لتقييم اقتصادي مستقل ومحايد.

ثالثًا: التمويل الشعبي والمشاركة المجتمعية

تؤكد التجارب الوطنية أن المواطن المصري يمتلك القدرة والرغبة في المساهمة في تمويل المشروعات الكبرى عندما تتوافر الثقة والشفافية وآليات المشاركة الواضحة. وقد أثبتت تجارب سابقة نجاح أدوات التمويل الوطنية في حشد موارد كبيرة خلال فترات زمنية محدودة.

رؤية اللجنة: إن المشاركة الشعبية في ملكية بعض الأصول الاستراتيجية ليست فكرة مستحيلة، بل خيار يستحق الدراسة الجادة قبل اتخاذ قرارات نهائية بشأن هيكل الملكية أو الإدارة.

رابعًا: البدائل الممكنة قبل اللجوء إلى التخصيص الكامل

نقترح دراسة ثلاثة بدائل رئيسية تفاديًا لخيار البيع أو التخصيص الكامل:

1. الطرح للمواطنين عبر شركات مساهمة وطنية

يسمح هذا النموذج للمصريين بالمشاركة في ملكية الأصول من خلال اكتتابات عامة منظمة، بما يحقق:

  • توسيع قاعدة الملكية الوطنية.
  • زيادة شعور المواطنين بالشراكة في التنمية.
  • توفير مصادر تمويل إضافية وخفض الاعتماد على القروض الخارجيّة.
  • توجيه جزء من عوائد الأصول مباشرة إلى المجتمع المصري.

2. الشراكات المصرية المتخصصة

من خلال تأسيس تحالفات قوية ومتكاملة تضم:

  • القطاع الخاص المصري الجاد.
  • المؤسسات المالية والمصرفية الوطنية.
  • صناديق الاستثمار المحلية.
  • الخبرات الأكاديمية والفنية في الجامعات ومراكز البحوث.(بما يضمن الاستفادة من الخبرات الوطنية وتحفيز الاقتصاد المحلي)

3. الشراكات الدولية المشروطة

في الحالات التي تتطلب تمويلًا ضخمًا أو تكنولوجيا دقيقة غير متوفرة محليًا، يمكن اللجوء إلى الشراكات الدولية وفق ضوابط صارمة تشمل:

  • الحفاظ على الدور الرقابي والسيادي للدولة.
  • تحديد مدد زمنية واضحة ومحددة للعقود (B.O.T أو غيرها).
  • ضمان نقل المعرفة والتكنولوجيا وتوطينها للكوادر المصرية.
  • الالتزام التام بالشفافية والإفصاح عن الأسس الاقتصادية للاتفاقيات.

خامسًا: واقع الإدارة والكفاءات البشرية

ترى اللجنة أن التحدي الحقيقي في مصر ليس نقص الكفاءات، فالدولة تمتلك كوادر بشرية وإدارية وفنية قادرة على إدارة المشروعات الكبرى بكفاءة عالية. غير أن هناك تحديات هيكلية تؤثر سلبًا على الأداء، ومن أبرزها:

  • التعقيدات البيروقراطية وبطء الإجراءات.
  • ضعف المرونة الإدارية في اتخاذ القرار.
  • محدودية نظم الحوافز المرتبطة بإنتاجية الكفاءات.
  • الحاجة الملحة إلى تحديث آليات الحوكمة والمتابعة والمساءلة.

خلاصة القول: إن إصلاح بيئة الإدارة يمثل ضرورة قصوى لا تقل أهمية عن توفير التمويل نفسه.

سادسًا: توصيات عملية لصانع القرار

توصي لجنة الطاقة والبيئة باتخاذ الإجراءات التنفيذية التالية:

  1. إعداد سجل وطني للأصول الاستراتيجية: يتضمن تصنيفًا شفافًا للأصول وفق أهميتها الاقتصادية والأمنية والتنموية.
  2. إلزامية دراسة البدائل: إلزام الجهات المعنية بتقديم دراسات مقارنة واضحة قبل أي قرار، على أن تشمل المقارنة (الاحتفاظ بالإدارة العامة، الشراكات الوطنية، الطرح الشعبي، الشراكات الدولية).
  3. تعزيز الشفافية الرقمية: نشر الملخصات التنفيذية للتقييمات الاقتصادية والمالية المتعلقة بالأصول محل الدراسة للرأي العام.
  4. توسيع أدوات الاستثمار الوطني: ابتكار أوعية ادخارية واستثمارية تتيح للمواطنين المساهمة في تمويل المشروعات الاستراتيجية والاستفادة من عوائدها بشكل آمن.
  5. ثورة إدارية شاملة: إصلاح نظم الإدارة والحوكمة، وتطبيق معايير دولية صارمة لتقييم الأداء والمساءلة.

سابعًا: خاتمة ورسالة إلى الحكومة المصرية

إن الهدف من هذه الورقة ليس الاعتراض لمجرد الاعتراض، ولا تقديم رؤية مثالية بعيدة عن الواقع المعيش؛ بل إن الهدف يتمثل في دعم جهود الدولة نحو تحقيق أفضل النتائج الممكنة، من خلال توسيع دائرة البدائل المطروحة، والاستفادة القصوى من الإمكانات الوطنية. وتؤمن اللجنة بأن تنوع وجهات النظر يمثل عنصر قوة للدولة، وأن الحوار الموضوعي القائم على البيانات والحلول يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.

إن الحفاظ على الأصول الوطنية لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما من خلال:

  • المشاركة الشعبية الواعية.
  • المتابعة والرقابة المستمرة للأداء العام.
  • دعم الحلول العلمية القابلة للتطبيق.
  • تعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة.

إن مستقبل الاقتصاد المصري هو مسؤولية جماعية، تتطلب التعاون بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص، في إطار من الشفافية والثقة المتبادلة. وتؤكد لجنة الطاقة والبيئة بحزب الدستور أن مصر تمتلك من المقومات البشرية والاقتصادية ما يؤهلها لبناء نموذج وطني متوازن لإدارة أصولها الاستراتيجية؛ نموذج لا يرفض الاستثمار، ولا يتخوف من الشراكة، وفي الوقت نفسه لا يتخلى عن حق المواطنين في الاستفادة من ثمار التنمية.

إن التحدي الحقيقي ليس الاختيار بين الدولة والسوق، وإنما بناء مؤسسات قوية، وإدارة كفؤة، وسياسات عامة تجعل من كل أصل وطني فرصة حقيقية لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاقتصادية.

معًا من أجل اقتصاد قوي، ومؤسسات أكثر كفاءة، ومشاركة وطنية أوسع في صناعة المستقبل.

صادرة عن: لجنة الطاقة والبيئة – حزب الدستور