القوة الشرائية للمصريين خلال عشر سنوات – ورقة بحثية من اعداد دكتور اسلام عبد الفاضل

26 سبتمبر 2026

القوة الشرائية للمصريين خلال عشر سنوات

عندما ترتفع الأجور الاسمية أسرع من الأرقام… لكن لا تكفي لشراء المزيد

اعداد دكتور إسلام عبد الفاضل

عضو المكتب السياسي لحزب الدستور

مقدمة

خلال السنوات العشر الأخيرة شهد الاقتصاد المصري تغيرات كبيرة في مستويات الأجور والأسعار وسعر الصرف وتكلفة السلع الأساسية. وارتفع الحد الأدنى للأجور عدة مرات، كما ارتفع متوسط الأجر النقدي، لكن السؤال الأهم ليس:

كم زاد الأجر بالجنيه؟

وإنما:

كم أصبحت الأسرة المصرية قادرة على شراءه بهذا الأجر؟

وللإجابة عن هذا السؤال، يمكن استخدام «سلة غذائية مرجعية» ثابتة ومقارنة تكلفتها بالحد الأدنى للأجور ومتوسط الأجر الفعلي، ثم وضع ذلك في سياق آخر مهم، وهو تطور نسبة العاملين بالحكومة إلى إجمالي السكان.

وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة لأن أغلبية المصريين ليست من العاملين بالحكومة، وبالتالي فإن أي تحسن في أجور العاملين بالحكومة لا يمكن اعتباره تلقائيًا تحسنًا في القوة الشرائية لغالبية المجتمع.


أولًا: ماذا حدث لعدد السلال الغذائية التي يستطيع الأجر شراءها؟

اعتمدت المقارنة على سلة غذائية مرجعية مكونة من مجموعة من السلع الأساسية، تشمل اللحوم والدواجن والأسماك والبيض والبقوليات وبعض الخضروات.

وبحسب إعادة بناء الأسعار المتاحة من بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والأسعار العامة، فإن تكلفة هذه السلة ارتفعت بصورة كبيرة خلال الفترة، خصوصًا بعد موجات التضخم التي شهدتها مصر منذ عام 2022.

السنة| سلال الغذاء التي يشتريها الحد الأدنى| سلال الغذاء التي يشتريها متوسط الأجر
2016| 6.8| 11.9
2017| 4.9| 9.8
2018| 4.3| 9.7
2019| 6.8| 10.2
2020| 6.9| 13.0
2021| 7.8| 12.0
2022| 7.1| 11.3
2023| 6.4| 8.0
2024| 7.2| 7.6
2025| 8.0| —

وتشير الأرقام إلى أن القدرة الشرائية لم تتحرك في اتجاه واحد.

فقد تراجعت قدرة الحد الأدنى للأجور على شراء السلة من نحو 6.8 سلة في 2016 إلى 4.3 سلة في 2018، قبل أن تتحسن بعد الزيادات المتتالية في الحد الأدنى للأجور.

أما متوسط الأجر، فكانت قدرته على شراء السلة أعلى بكثير في بداية الفترة، لكنها شهدت تراجعًا واضحًا في السنوات الأخيرة؛ إذ انخفضت من نحو 13 سلة في 2020 إلى حوالي 7.6 سلة في 2024 وفق هذا المقياس.

وهنا تظهر نتيجة مهمة:

«ارتفاع الأجر الاسمي لا يعني بالضرورة ارتفاع القوة الشرائية.»

فقد يحصل العامل على عدد أكبر من الجنيهات، بينما يستطيع بهذه الجنيهات شراء عدد أقل من السلع.


ثانيًا: تقارب الحد الأدنى للأجر مع متوسط الأجر

من أكثر المؤشرات اللافتة في البيانات تقلص الفارق بين الحد الأدنى للأجر ومتوسط الأجر.

في عام 2020 كان متوسط الأجر، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نحو 3,790 جنيهًا، مقابل حد أدنى قدره 2,000 جنيه؛ أي أن متوسط الأجر كان يقارب 1.9 مرة الحد الأدنى.

وفي عام 2023 بلغ متوسط الأجر 5,005 جنيهات، بينما كان الحد الأدنى 4,000 جنيه، أي أن متوسط الأجر أصبح نحو 1.25 مرة الحد الأدنى.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن متوسط الأجر الشهري للعاملين في القطاعين العام/الأعمال العام والخاص بلغ 5,005 جنيهات في 2023، مقابل 4,284 جنيهًا في 2022، مع فارق كبير بين القطاعين.

فقد بلغ متوسط الأجر في القطاع العام وقطاع الأعمال العام نحو 12,401 جنيه، مقابل نحو 4,675 جنيهًا في القطاع الخاص.

وفي 2024، وفق السلة المستخدمة في هذه الدراسة، أصبح متوسط الأجر قادرًا على شراء نحو 7.6 سلة، مقابل نحو 7.2 سلة للحد الأدنى.

ولا يعني ذلك أن الدخول أصبحت متساوية، وإنما يعني أن ارتفاع أسعار الغذاء جعل الفارق النقدي بين الأجرين أقل تعبيرًا عن الفارق الحقيقي في القدرة على شراء السلع الأساسية.


ثالثًا: أين تقع غالبية المصريين من هذه المقارنة؟

هنا تظهر قضية مهمة عند تفسير بيانات الأجور.

العامل الحكومي يمثل جزءًا من المجتمع، وليس المجتمع كله.

وتوضح بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن إحصائية العاملين بالحكومة هي إحصائية مستقلة، وأن مصدر بيانات العاملين بالحكومة منذ عام 2005 هو الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة.

كما تفرق الإحصاءات بين العاملين بالحكومة والعاملين بالقطاع العام وقطاع الأعمال العام.

وتشير البيانات المتاحة إلى أن عدد العاملين بالحكومة ظل في حدود عدة ملايين، بينما ارتفع عدد سكان مصر بصورة مستمرة.

فعلى سبيل المثال، بلغ عدد السكان نحو 91 مليون نسمة في 2016 وتجاوز 105 ملايين نسمة في 2023.

وبالتالي فإن العاملين بالحكومة يمثلون أقلية من إجمالي السكان، في حين أن الغالبية لا تحصل على دخلها باعتبارها موظفين حكوميين.

وهذا يجعل تقييم القدرة الشرائية للمصريين من خلال زيادات أجور موظفي الدولة وحدها غير كافٍ.


رابعًا: ماذا يعني انخفاض الوزن النسبي للعاملين بالحكومة؟

انخفاض نسبة العاملين بالحكومة إلى إجمالي السكان يعني أن عددًا متزايدًا من المصريين يعتمد على مصادر دخل أخرى، منها:

  • القطاع الخاص.
  • الأعمال الحرة.
  • المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.
  • العمل غير الرسمي.
  • الزراعة.
  • المهن والحرف.
  • العمل لحساب النفس.
  • التحويلات الأسرية ومصادر دخل أخرى.

ومن ثم فإن السؤال الاقتصادي الأهم لا ينبغي أن يكون فقط:

هل زاد راتب الموظف الحكومي؟

بل:

هل زادت قدرة غالبية المصريين على شراء الغذاء والخدمات الأساسية؟

وهذا فرق جوهري بين زيادة الأجور الاسمية وتحسن مستوى المعيشة.


خامسًا: قراءة المؤشرات معًا

عند وضع المؤشرات الرئيسية جنبًا إلى جنب، تظهر صورة أكثر وضوحًا:

  1. الأجور الاسمية ارتفعت بقوة

انتقل الحد الأدنى للأجور من 1,200 جنيه في بداية الفترة إلى 7,000 جنيه في 2025، بينما ارتفع متوسط الأجر في المنشآت التي يشملها إحصاء الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء من مستويات أقل بكثير في بداية الفترة إلى نحو 6,336 جنيهًا في 2024.

  1. أسعار الغذاء ارتفعت أيضًا بقوة

وبالتالي لم تتحول الزيادة الاسمية في الأجور بالكامل إلى زيادة مماثلة في كمية الغذاء التي يستطيع الأجر شراءها.

  1. متوسط الأجر نفسه تعرض لضغط القوة الشرائية

فالارتفاع الكبير في تكلفة السلة الغذائية أدى إلى انخفاض عدد السلال التي يستطيع متوسط الأجر شراءها في السنوات الأخيرة.

  1. أغلبية المصريين ليست موظفين حكوميين

لذلك فإن مؤشرات أجور الحكومة لا تكفي وحدها للحكم على القوة الشرائية للمجتمع كله.


سادسًا: النتيجة الاقتصادية

إذا كان الهدف هو قياس القوة الشرائية للمصريين، فإن المؤشر الأكثر دلالة ليس قيمة الراتب بالجنيه، وإنما كمية السلع والخدمات الأساسية التي يمكن شراءها بهذا الراتب.

ومن هذه الزاوية، فإن البيانات تشير إلى أن:

«القوة الشرائية للغالبية لا يمكن افتراض تحسنها لمجرد ارتفاع الحد الأدنى للأجور أو أجور العاملين بالحكومة.»

فالسلة الغذائية التي كانت تكلف جزءًا محدودًا نسبيًا من الدخل أصبحت تستحوذ على نسبة أكبر من الدخل خلال فترات التضخم المرتفع.

كما أن جزءًا كبيرًا من المصريين لا يعمل أصلًا في الجهاز الحكومي، وبالتالي فإن أي تحليل يعتمد على رواتب موظفي الدولة فقط قد يعطي صورة غير مكتملة عن الواقع المعيشي للمجتمع.


خاتمة

خلال العقد الأخير تغيرت مصر اقتصاديًا بصورة كبيرة:

  • ارتفعت الأجور.
  • ارتفع عدد السكان.
  • تغير سعر الصرف.
  • ارتفعت أسعار الطاقة والغذاء.
  • ارتفعت تكلفة المعيشة بصورة ملحوظة.

لكن المقياس الحقيقي للتحسن الاقتصادي بالنسبة للمواطن ليس عدد الجنيهات التي يحصل عليها، وإنما ما يستطيع شراءه بهذه الجنيهات.

ولهذا فإن متابعة عدد السلال الغذائية التي يستطيع الأجر شراءها تقدم زاوية مختلفة وأكثر ارتباطًا بالحياة اليومية.

وتشير المقارنة إلى أن الزيادة الكبيرة في الأجور الاسمية لم تكن كافية دائمًا للحفاظ على نفس القوة الشرائية، خصوصًا خلال موجات التضخم المرتفعة.

كما أن انخفاض الوزن النسبي للعاملين بالحكومة يجعل من الضروري عند تقييم مستوى معيشة المصريين النظر إلى دخل العاملين في القطاع الخاص والعمل الحر وغير الرسمي وأصحاب المشروعات الصغيرة، وليس إلى رواتب موظفي الدولة وحدها.

وفي النهاية، فإن السؤال الاقتصادي الأهم ليس:

««كم أصبح راتب المصري؟»»

وإنما:

««كم أصبح يستطيع هذا الراتب أن يشتري؟»»


ملاحظة منهجية

السلة الغذائية المستخدمة في هذه الورقة هي سلة مرجعية تحليلية وليست سلة إنفاق رسمية منشورة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء باسم «سلة المواطن المصري».

وقد أعيد بناء تكلفتها باستخدام البيانات العامة المتاحة، ولذلك ينبغي التعامل مع أرقام «عدد السلال» باعتبارها مؤشرًا للمقارنة الزمنية، وليس تقديرًا رسميًا لمستوى معيشة كل أسرة مصرية.

كما أن متوسط الأجر المنشور من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يتعلق بالعاملين في المنشآت المشمولة بالإحصاء، ولا يمثل متوسط دخل جميع المصريين، ولا يمثل الوسيط الذي يحصل عليه العامل المصري.

وينشر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء سنويًا بيانات مستقلة عن العاملين بالحكومة، بما يسمح بتحديث السلسلة الزمنية عند استخدام البيانات التفصيلية الكاملة لكل إصدار.

المصادر الأساسية

  • الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
  • النشرات السنوية لإحصاءات التوظيف والأجور.
  • النشرات السنوية للعاملين بالحكومة والقطاع العام وقطاع الأعمال العام.
  • بيانات السكان الرسمية.
  • بيانات أسعار السلع الأساسية ومؤشرات الأسعار المنشورة رسميًا.

الخلاصة في جملة واحدة

ارتفاع الدخل النقدي لا يعني بالضرورة تحسن مستوى المعيشة؛ المقياس الأهم هو مقدار ما يستطيع الدخل شراءه من السلع والخدمات التي يحتاجها المواطن فعليًا.