أ عزيزة حسين تكتب – قراءة أولية في مشروع قانون الأحوال الشخصية – الجزء الأول

قراءة أولية في مشروع قانون الأحوال الشخصية – الجزء الأول
أ/ عزيزة حسين
منسق لجنة المحامين النقابية
1 يونيو 2026
أولًا، نعيد ونؤكد أن همنا الأكبر هو تماسك الأسرة المصرية وترابطها، وتقليل الفجوة والخلاف بين طرفي العلاقة. فليس من مصلحة المجتمع كاملًا تأجيج الخلاف أو نصرة طرف على الآخر، بل نرى أن تكون الحقوق متساوية للطرفين، وأن تكون الشريعة الإسلامية مرجعنا وملجأنا في حل الخلافات.
فديننا الحنيف لم يترك شاردة ولا واردة إلا وحسمها، وإن محاولة البعض نصرة طرف على آخر لأمر مستغرب، لا نرى نتيجته إلا القضاء على المودة والرحمة، وخلق جيل من الأطفال المنقسمين نفسيًا وبدنيًا.
الأثر الفوري للقانون
نص المشروع على الأثر الفوري للقانون، بمعنى أن القضايا المتداولة طبقًا للقانون الحالي تظل متداولة وفقًا لنفس القانون.
كما نص على إلغاء القوانين أرقام 25 لسنة 1920، و25 لسنة 1929، و119 لسنة 1952، والقانون رقم 10 لسنة 2004.
أولًا: الخطبة
المهر
في حالة عدول أحد الطرفين عن الخطبة قبل عقد القران، فللخاطب أو ورثته استرداد ما دفعه من مهر.
وهنا يثور التساؤل: ماذا لو تم العدول بعد عقد القران؟
الشبكة والهدايا
ترك المشروع أمر الشبكة للعرف السائد أو لاتفاق الطرفين.
أما الهدايا، فتُرد ممن كان السبب في العدول عن الخطبة. فإذا انتهت الخطبة باتفاق الطرفين، استرد كل منهما ما قدمه من هدايا. وإذا انتهت الخطبة بوفاة أحدهما، فلا يسترد الآخر ما قدمه من هدايا.
ولا اعتراض على ذلك، ولكن إثبات الاتفاق يجب النص عليه وعلى كيفيته، حتى يكون ملزمًا لجميع الأطراف.
المادة السابعة
نصت الفقرة الأولى على أن ينعقد الزواج أمام المأذون أو الجهة المختصة، وأغلب الظن أن المقصود بذلك الزواج المدني أو الشهر العقاري.
أما الفقرة (ب)، والتي أثارت جدلًا واسعًا، فقد نصت على حق الزوجة في طلب فسخ عقد الزواج خلال ستة أشهر إذا تبين لها أن الزوج ادعى لنفسه ما ليس فيه، وكان ذلك سببًا أو شرطًا من شروط الزواج، شريطة ألا يكون هناك حمل أو إنجاب.
وهنا يثور التساؤل: كيف يمكن الحديث عن الإنجاب خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر من الزواج؟
ومن الناحية الواقعية، نرى أن هذه المادة لها وجاهتها؛ إذ قد يدعي أحد الطرفين حصوله على مؤهل علمي أو صفة معينة، ثم يتبين للطرف الآخر أن الأمر غير صحيح.
وقد منح المشروع الزوجة في هذه الحالة حق طلب فسخ عقد الزواج. والسؤال هنا: لماذا الفسخ وليس الطلاق أو الخلع؟
لأن الطلاق قد لا تكون هذه الواقعة من أسبابه المباشرة، كما أن إجراءاته أطول، بينما الخلع يترتب عليه تنازل الزوجة عن حقوقها المالية ورد ما قبضته من مهر.
لذلك رأى المشروع أن الفسخ هو الحل الأنسب لهذه الحالة.
غير أن المشروع لم يمنح الحق ذاته للزوج إذا وقع ضحية غش أو تدليس مماثل من الزوجة، وهو ما نراه محل نظر. فالزوج، وإن كان يملك حق الطلاق، إلا أن الطلاق يرتب التزامات مالية قد يتحملها رغم كونه المتضرر من الغش.
لذلك نطالب بأن يكون الحق متبادلًا بين الطرفين، بحيث يحق لمن وقع عليه الغش أو التدليس طلب فسخ العقد.
كما كان من الأفضل أن يورد المشروع أمثلة توضيحية لبعض صور الغش والتدليس التي قد تؤثر في قيام الرابطة الزوجية.
الأهلية والولاية
نصت المادة (16) على أن:
«للرجل والمرأة أهلية مباشرة عقد زواجهما وتوثيقه بتمام ثمانية عشر عامًا ميلاديًا كاملًا».
ونرى في ذلك الملاحظات الآتية:
أولًا
لم تنص المادة على وجود ولي شرعي للمرأة، وهو ما يستلزم بيان الرأي الشرعي في ضوء الحديث الشريف: «لا نكاح إلا بولي».
ثانيًا
إن بلوغ سن الثامنة عشرة قد لا يكون كافيًا لتحمل المسؤوليات المترتبة على عقد الزواج، خاصة أنه عقد يؤسس لأسرة كاملة.
كما أن القانون المدني يعتبر سن الرشد القانونية إحدى وعشرين سنة، وهو ما يثير تساؤلًا حول مدى كفاية سن الثامنة عشرة لتحمل تبعات الزواج ومسؤولياته.
المادة 29
أعطت المادة (29) للزوجة حق اشتراط ما تراه في وثيقة الزواج، بينما لم تمنح الحق ذاته للزوج.
ومن ثم يثور التساؤل: لماذا لا يكون للطرفين الحق نفسه في وضع الشروط التي يريانها مناسبة داخل وثيقة الزواج؟
فالعدل يقتضي المساواة بين الزوجين في الحقوق والالتزامات.
وثيقة التأمين
أضاف المشروع في المادة (31) ما يسمى بـ«وثيقة التأمين»، وهي مبلغ مالي يدرج في الوثيقة لضمان حصول الزوجة على مبلغ مالي أو نفقة شهرية عند الطلاق البائن أو بحكم نهائي.
أولًا
اشترط المشروع أن تكون الوثيقة قبل توثيق عقد الزواج، وليس بالتزامن معه، وهو ما يثير التساؤل حول مصير الوثيقة إذا لم يتم عقد الزواج أصلًا.
ثانيًا
هل يقصد المشروع بهذه الوثيقة تقرير نفقة للمطلقة؟
فالمطلقة تنتهي علاقتها الزوجية بزوجها، ولا تستحق نفقة إلا في الحدود التي يقررها القانون أو فيما يتعلق بالأبناء إن وجدوا.
كما لم يوضح المشروع لمن يُصرف مبلغ الوثيقة، وما إذا كان يُعد جزءًا من الحقوق المالية المستحقة للزوجة، مثل مؤخر الصداق ونفقة العدة والمتعة، أم أنه حق مستقل عنها.
وعدم توضيح هذه المسألة قد يفتح بابًا لتفسيرات متعددة تحتاج إلى حسم تشريعي واضح.
ثالثًا
أقرت المادة حق الزوج في استرداد قيمة الوثيقة في حالة الطلاق خلعًا أو على الإبراء.
إلا أنها نصت على أن الوثيقة تكون من حق الزوجة في حالة وفاة الزوج، ومن حق ورثة الزوجة في حالة وفاتها.
وهنا يثور التساؤل: لماذا لا تعود الوثيقة إلى الزوج عند وفاة الزوجة، خاصة إذا كان مسؤولًا عن إعالة أبناء صغار؟
وهو ما قد يوحي بأن الغرض من الوثيقة هو تحقيق مصلحة مالية للزوجة، لا ضمان نفقة الأبناء، الأمر الذي يستوجب مزيدًا من التوضيح.
المادة 32
أثارت المادة (32) جدلًا واسعًا بسبب تناولها إعلاميًا بصورة غير دقيقة.
فالمادة تشترط وجود وثيقة اتفاق بين الزوجين، سواء عند الزواج أو عند الطلاق، وليس عند الزواج فقط كما أُشيع.
وتنظم هذه الوثيقة المسائل التي قد تنشأ بسبب العلاقة الزوجية أو عند انتهائها، ومنها النفقات، ومؤخر الصداق، وغيرها.
وقد نصت المادة على أنه «يجوز الاتفاق فيها على…»، ومن بين ما أجازته الاتفاق على عدم زواج الزوج بأخرى إلا بإذن كتابي من الزوجة، مع منحها حق طلب الطلاق أو التطليق عند مخالفة هذا الشرط.
ومن ثم فإن المشروع لم يفرض هذا الشرط على جميع الأزواج، وإنما جعله خيارًا متروكًا لاتفاق الطرفين، فقد يثبتانه في الوثيقة أو لا يثبتانه.
ويبقى التساؤل مطروحًا حول مدى شرعية هذا الشرط، وإن كانت هناك آراء فقهية معتبرة تجيزه وتعتبره ملزمًا إذا تم الاتفاق عليه.
كما أوضحت مادة لاحقة أن للزوج حق الزواج بأخرى، وللزوجة حق طلب الطلاق أو التطليق إذا وجدت في نفسها عدم القدرة على الاستمرار في هذه الحالة، وهو مبدأ معروف في التشريعات القائمة.
وفي جميع الأحوال، فإن ما يتم الاتفاق عليه وإثباته في الوثيقة يصبح ملزمًا للطرفين.
المادة 38
تنص المادة (38) على ثبوت مهر المثل إذا اتفق الطرفان على عدم تسمية مهر.
وبذلك، إذا تم الاتفاق على عدم المهر أو تنازلت الزوجة عنه، ثم عادت وطالبت به لاحقًا، جاز القضاء لها بمهر المثل.
وهنا يثور التساؤل: هل يعني ذلك جواز الرجوع فيما تم الاتفاق عليه داخل وثيقة الزواج؟
المادة 47
قد تمثل المادة (47) حلًا لمشكلة المنقولات الزوجية؛ فمع أنها اعتبرت جميع المنقولات الزوجية ملكًا للزوجة، فإنها أجازت الاتفاق على خلاف ذلك.
وقد يسهم هذا التوجه في الحد من النزاعات المتعلقة بقائمة المنقولات، متى تم توثيق الاتفاق بصورة واضحة بين الطرفين.
الطلاق
يُعد الطلاق من أخطر المسائل الأسرية؛ إذ يترتب على وقوعه انتهاء العلاقة الزوجية وما يتبع ذلك من آثار اجتماعية وقانونية وأسرية.
وشرعًا، يقع الطلاق بمجرد صدور لفظ الطلاق الصحيح من الزوج.
أما التوثيق، فالغرض منه حفظ الحقوق، وإثبات الواقعة، وتنظيم الآثار القانونية المترتبة عليها، بما يضمن حقوق جميع الأطراف.