حين يتحول نائب البرلمان الى وسيط خدمات – أين يذهب الدور الرقابي؟

حين يتحول نائب البرلمان الى وسيط خدمات – أين يذهب الدور الرقابي؟
الحسيني شاهين
الأمين العام لحزب الدستور
بتاريخ 7 مايو 2026
يبدو أننا في حاجة حقيقية إلى إعادة تعريف دور المؤسسة التشريعية في مصر، وإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين النائب والحكومة. فالمشهد الحالي يكشف عن برلمان تراجع فيه الدور الرقابي والتشريعي بصورة كبيرة، لصالح أدوار أخرى أقرب إلى “تخليص الخدمات” والسعي وراء المصالح الفردية والعامة لأبناء الدوائر.
جزء كبير من الأزمة يعود إلى طبيعة تشكيل البرلمان نفسه، حيث يشعر كثيرون أن قطاعًا واسعًا من النواب لا يصلون إلى المجلس باعتبارهم ممثلين حقيقيين لإرادة الناس، بقدر ما يتم اختيارهم بعناية بحيث لا يشكلون ضغطًا فعليًا على الحكومة أو أجهزة الدولة. ونتيجة لذلك، فقد البرلمان تدريجيًا أهم وظائفه: الرقابة والمحاسبة.
ومع غياب هذا الدور، وجد كثير من النواب أنفسهم يبحثون عن مساحة بديلة للحضور والتأثير، فاتجهوا إلى لعب دور “نائب الخدمات”، على أمل اكتساب شعبية أو قبول جماهيري يفتقدونه سياسيًا. فأصبح النائب يقضي وقته متنقلًا بين مكاتب الوزراء والمسؤولين حاملًا طلبات التوظيف، والنقل، والرصف، والعلاج، وغيرها من المطالب التي كان من المفترض أن تتولاها مؤسسات تنفيذية ومحليات فعالة.
لكن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن لنائب يلهث يوميًا خلف الوزير طلبًا لخدمة أو منفعة لدائرته، أن يقف بعد ذلك لمحاسبته أو مساءلته أو استجوابه؟ كيف يمكن لعلاقة قائمة على طلب الخدمات أن تتحول فجأة إلى علاقة رقابة ومحاسبة سياسية؟ بطبيعة الحال، يفقد النائب جزءًا كبيرًا من استقلاله وهيبته الرقابية عندما يصبح محتاجًا بشكل دائم إلى رضا الوزير أو المسؤول التنفيذي.
ولا يمكن تجاهل أن غياب المجالس المحلية كان أحد الأسباب الرئيسية في هذه الأزمة. فالمحليات هي الجهة الطبيعية المسؤولة عن الخدمات اليومية والمشكلات الحياتية للمواطنين. وعندما غابت هذه المجالس لسنوات طويلة، انتقلت أعباؤها تلقائيًا إلى النواب، فتحول دورهم من التشريع والرقابة إلى السعي وراء الخدمات. وكان ذلك من أكثر النتائج السلبية لغياب الإدارة المحلية الفعالة.
وقد أدى هذا المشهد في النهاية إلى تراجع صورة النائب وقيمته السياسية، حتى وصل الأمر ببعض الوزراء إلى التعامل مع النواب باعتبارهم مجرد أصحاب طلبات ومصالح، لا ممثلين للشعب يمتلكون أدوات الرقابة والمحاسبة. وما حدث مؤخرًا من تصريحات لوزير الصحة تجاه النواب يعكس بوضوح حجم الخلل في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
إن أي حديث جاد عن الإصلاح السياسي لا بد أن يبدأ بإعادة ترتيب الأولويات: برلمان يمارس دوره الحقيقي في التشريع والرقابة، ومحليات قوية تتولى الخدمات، ونواب يُقاس نجاحهم بمواقفهم وأدائهم الرقابي، لا بعدد الطلبات التي ينجحون في تمريرها لدى الوزراء. بدون ذلك، سيظل البرلمان بعيدًا عن دوره الطبيعي، وسيظل المواطن بعيدًا عن الشعور بأي تحسن حقيقي في الحياة السياسية أو الخدمية.