أشرف عبد اللطيف يكتب – الاقتصاد المصري: الثقب الأسود المخفي

الاقتصاد المصري: الثقب الأسود المخفي
حين تتحسن المؤشرات المالية مؤقتًا بينما يضعف الاقتصاد الحقيقي
أشرف عبد اللطيف
الباحث السياسي وعضو الهيئة العليا لحزب الدستور
14 يونيو 2026
ليست الأزمة الاقتصادية في مصر مجرد ارتفاع أسعار، ولا مجرد تراجع في قيمة الجنيه، ولا مجرد نقص في العملة الأجنبية، رغم أن كل ذلك حاضر بقسوة في حياة المواطن اليومية. الأزمة أعمق من ذلك بكثير. إنها أزمة بنية كاملة في طريقة إدارة الدولة للمال العام، وفي علاقة السلطة بالإنتاج، وفي حدود الشفافية والمساءلة، وفي معنى الملكية العامة، وفي قدرة المواطن على أن يعرف أين تذهب موارد الدولة، ولماذا يدفع أكثر بينما يحصل على أقل.
الثقب الأسود في الاقتصاد المصري ليس رقم الدين وحده، ولا سعر الدولار وحده، ولا عجز الموازنة وحده. الثقب الأسود هو تلك المساحة المعتمة التي تبتلع الإنتاج، والضرائب، والمدخرات، والأصول العامة، وثقة المستثمر وقدرة المواطن على الحياة، ثم يُعاد تقديم المشهد للناس في صورة مؤشرات مالية قد تبدو أحيانًا أفضل مما كانت عليه، بينما الاقتصاد الحقيقي يظل ضعيفًا من الداخل.
ولهذا لا يكفي أن نقول إن الأزمة “كبيرة”. هذه عبارة صحيحة، لكنها لا تفسر شيئًا. ولا يكفي أن نقول إن “الاقتصاد ينهار” كعبارة غضب، لأن الغضب وحده لا يصنع وعيًا عامًا قادرًا على الفهم والمحاسبة. المطلوب هو كشف البنية: ماذا ننتج؟ ماذا نستورد؟ من يدفع الضرائب؟ من يحصل على الإعفاءات؟ ما الذي يدخل الموازنة العامة؟ ما الذي يبقى خارجها أو لا يظهر فيها بوضوح كاف؟ ما الذي يُباع؟ ما الذي يُنقل إلى الصندوق السيادي؟ ما الذي يُمول بالديون؟ وما الذي يدفع ثمنه المواطن في دخله وصحته وتعليمه ومستقبل أبنائه؟
الحقيقة لا تحتاج إلى شتائم، ولا تحتاج إلى مبالغة. الأرقام، عندما تُعرض في سياقها الصحيح، تكفي وحدها لإظهار حجم الخطر.
أولًا: الاقتصاد الحقيقي والمالية العامة.. الفرق الذي يفسر الأزمة
أول خطأ شائع في قراءة الوضع المصري هو الخلط بين الاقتصاد والمالية العامة.
الاقتصاد الحقيقي هو قدرة المجتمع والدولة على الإنتاج: الصناعة الزراعة الخدمات المنتجة، التصدير، التشغيل، الإنتاجية، التكنولوجيا، القيمة المضافة، فرص العمل، ونقل المعرفة. أما المالية العامة فهي طريقة الدولة في إدارة مواردها والتزاماتها: الموازنة، الضرائب، الديون، الفوائد، العجز، الاحتياطي، سعر الصرف، القروض، بيع الأصول، والتدفقات قصيرة الأجل.
قد تنجح الدولة ماليًا في الحصول على قرض جديد، أو بيع أصل عام، أو جذب وديعة، أو تثبيت سعر الصرف لفترة، أو تحسين رقم الاحتياطي، ومع ذلك لا يكون الاقتصاد الحقيقي قد تعافى. بل قد يكون العكس هو الصحيح: تتحسن الواجهة المالية مؤقتًا بينما يتأكل الإنتاج، وتضعف الصناعة، وتتراجع فرص العمل الجيدة، وتزداد فاتورة الاستيراد، ويُحمل المواطن كلفة هذا “الاستقرار” في صورة تضخم وضرائب ورسوم وارتفاع أسعار.
من هنا، فإن السؤال الاقتصادي الأهم ليس: هل نجحت الدولة في تدبير دولارات جديدة؟ بل: هل أصبح الاقتصاد ينتج أكثر؟ هل يصدر أكثر؟ هل يخلق وظائف حقيقية؟ هل يقلل اعتماده على الخارج؟ هل يحافظ على أصوله الاستراتيجية؟ وهل يستطيع خدمة ديونه دون سحق المجتمع أو بيع مزيد من الملكية العامة؟
الاستقرار المالي المؤقت ليس تعافيًا اقتصاديًا. التعافي الحقيقي لا يُقاس فقط برقم الاحتياطي أو بتحسن سعر الصرف، بل بقدرة الدولة على بناء قاعدة إنتاجية واسعة عادلة، شفافة، وقادرة على الاستمرار.
ثانيًا: ما يظهر في الموازنة وما لا يظهر بوضوح كاف
عندما يقرأ المواطن أرقام الموازنة العامة، قد يظن أنه يرى الصورة الكاملة للدولة. لكنه في الحقيقة يرى جزءًا من الصورة، لا كلها.
هناك الموازنة الرسمية التي تعلنها وزارة المالية، وهناك إلى جانبها كيانات اقتصادية وهيئات وشركات وصناديق ومشروعات والتزامات وضمانات لا تظهر دائما بالوضوح الكافي في النقاش العام. وجود شركات مملوكة للدولة ليس مشكلة في ذاته؛ فكثير من دول العالم لديها شركات عامة أو صناديق سيادية أو أذرع استثمارية. المشكلة تبدأ عندما تتسع هذه الكيانات دون شفافية كافية، ودون منافسة عادلة، ودون رقابة برلمانية وقضائية ومحاسبية واضحة.
السؤال هنا ليس أيديولوجيًا. ليس السؤال: هل تمتلك الدولة شركات أم لا؟ السؤال هو: هل تعمل هذه الشركات تحت القواعد نفسها التي يعمل بها القطاع الخاص؟ هل تدفع الضرائب نفسها؟ هل تحصل على أراض أو عقود أو امتيازات لا يحصل عليها غيرها؟ هل تنشر قوائمها المالية بما يكفي؟ هل يعرف المواطن هل تربح أم تخسر؟ هل تدخل أرباحها وخسائرها في الحساب العام للدولة؟ وهل يستطيع البرلمان والرأي العام تقييم آثارها على المنافسة والاستثمار والعمالة؟
أشار صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2026 إلى أن التقدم في الإصلاحات الهيكلية الأعمق في مصر ما زال غير متكافئ، وأن تسريع تقليص البصمة الاقتصادية للدولة وتهيئة ساحة منافسة أكثر عدالة للقطاع الخاص يظل أمرًا حاسمًا لتحقيق نمو مستدام وشامل يقوده القطاع الخاص. كما أشار التقرير إلى أن ارتفاع الدين واحتياجات التمويل الكبيرة يواصلان تقييد المساحة المالية والنمو متوسط الأجل (IMF).
هذا لا يعني خصخصة عمياء، ولا يعني ترك المواطن للسوق بلا حماية، لكنه يعني أن الاقتصاد لا يستطيع أن ينمو بصورة صحية إذا ظل جزء واسع منه يتحرك داخل مناطق غير واضحة، أو يتمتع بامتيازات لا تخضع للمساءلة الكافية، أو ينافس القطاع الخاص دون قواعد شفافة.
ثالثًا: الاقتصاد غير الرسمي واتساع المناطق غير المرئية
يجب التمييز بين نوعين مختلفين من “الاقتصاد غير المرئي”.
الأول هو الاقتصاد غير الرسمي: ملايين العمال والمنشآت الصغيرة والأنشطة اليومية التي تعمل خارج التسجيل الكامل أو الحماية القانونية أو النظام الضريبي. هذا اقتصاد ناتج عن الفقر والبيروقراطية وارتفاع كلفة الدخول في المنظومة الرسمية وضعف الثقة في الدولة. وتشير تقديرات للبنك الدولي إلى أن أكثر من 60% من الشركات وأكثر من 70% من عمال القطاع الخاص في مصر يعملون في نطاق غير رسمي (World Bank).
أما النوع الثاني فهو اتساع الدور الاقتصادي لبعض الكيانات التابعة للدولة أو الجهات السيادية أو الشركات العامة خارج نطاق الشفافية الكاملة. هذا النوع لا ينبغي خلطه بالاقتصاد غير الرسمي للفقراء وصغار العاملين. العامل البسيط الذي لا يجد تأمينًا أو تسجيلًا ليس مثل كيان اقتصادي ضخم يعمل بامتيازات أو إعفاءات أو عقود مباشرة أو موارد عامة.
الخلط بين الاثنين يظلم المجتمع. فبدل أن تكون السياسات العامة موجهة إلى إدماج العامل الصغير والمنشأة الصغيرة في الاقتصاد الرسمي بالحماية والحوافز والتبسيط، تتحول الدولة أحيانًا إلى زيادة الجباية على الطبقة الوسطى والقطاع الرسمي المنضبط، بينما تبقى مناطق أكبر وأقوى خارج القياس والمساءلة الكاملة.
وهنا يتشكل جزء من الثقب الأسود: اقتصاد مرهق يدفع، واقتصاد ضعيف يهرب، واقتصاد قوي لا يخضع دائما للشفافية نفسها.
رابعًا: الدين وفوائد الدين – حين تبتلع المالية العامة الدولة
الدين ليس شرًا مطلقًا. كل الدول تقريبًا تقترض. لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا تقترض؟ وبأي تكلفة؟ ولأي مشروعات؟ وهل يخلق الاقتراض قدرة إنتاجية مستقبلية تسدد نفسها؟ أم يتحول إلى تمويل دائم للعجز وخدمة دين سابق ومشروعات لا تدر عائدًا كافيًا؟
في الحالة المصرية، أصبح الدين أحد أخطر مداخل فهم الأزمة. أظهرت بيانات البنك المركزي المصري أن إجمالي الدين الخارجي بلغ نحو 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، بزيادة عن نهاية يونيو 2025. كما ارتفعت خدمة الدين الخارجي خلال السنة المالية 2024/2025 إلى نحو 38.7 مليار دولار، وفق بيانات البنك المركزي. هذه ليست أرقامًا محاسبية مجردة؛ إنها ضغط مباشر على العملة الأجنبية، وعلى قدرة الدولة على تمويل الواردات وعلى استقرار سعر الصرف، وعلى تكلفة الحياة اليومية (cbe.org.eg).
أما داخليًا، فتوضح استراتيجية الدين متوسطة الأجل الصادرة عن وزارة المالية أن دين أجهزة الموازنة بلغ نحو 83.8% من الناتج المحلي الإجمالي في يونيو 2025، وأن الدين المحلي لأجهزة الموازنة بلغ نحو 11.072 تريليون جنيه، بينما بلغ الدين الخارجي لأجهزة الموازنة نحو 78.6 مليار دولار. وتذكر الوثيقة نفسها أن مدفوعات الفوائد في السنة المالية 2024/2025 بلغت نحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي.
الخطر لا يكمن فقط في حجم الدين، بل في كلفته وتركيبه؛ فالدولة التي تنفق جانبًا ضخمًا من مواردها على الفوائد لا تستطيع بسهولة أن توسع الإنفاق الحقيقي على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار المنتج. وحين تصبح الفوائد أكبر بند في المصروفات، فإن المواطن يدفع ثمن الدين مرتين: مرة من خلال الضرائب والرسوم، ومرة من خلال ضعف الخدمات العامة.
في موازنة 2025/2026، تظهر الصورة بوضوح: إجمالي المصروفات العامة يبلغ نحو 4.574 تريليون جنيه، بينما تبلغ الإيرادات نحو 3.1196 تريليون جنيه، وتشكل الضرائب نحو 85.1% من الإيرادات. والأكثر دلالة أن مدفوعات الفوائد تبلغ نحو 2.298 تريليون جنيه، أي حوالي 50.2% من إجمالي المصروفات، وفق موجز الموازنة المنشور عبر بوابة الموازنة، والمستند إلى بيان وزارة المالية.
وعند مقارنة ذلك بالإنفاق الوظيفي، نجد أن الصحة تمثل نحو 5.4% من المصروفات، والتعليم نحو 6.9%، والحماية الاجتماعية نحو 13.9%. هذه المقارنة لا تعني أن كل جنيه يذهب إلى الفوائد كان يمكن تحويله مباشرة إلى مدرسة أو مستشفى، لكنها تكشف اختلالًا حقيقيًا في المساحة المتاحة أمام الدولة: كلما تضخمت خدمة الدين، ضاقت القدرة على تمويل الإنسان.
هذا هو معنى أن تبتلع المالية العامة الدولة: ليست المشكلة أن الدولة تقترض فقط، بل أن الاقتراض يصبح قيدًا على الحاضر والمستقبل، وأن المواطن يرى أثره في صورة أسعار أعلى وخدمات أضعف وفرص أقل.
خامسًا: صندوق النقد – لا شيطنة ولا تبرئة
من الخطأ اختزال الأزمة في صندوق النقد الدولي وحده. ومن الخطأ أيضًا تبرئة برامج الإصلاح المالي من آثارها الاجتماعية والاقتصادية. الصندوق ليس “شيطانًا” يقرر وحده مصير البلاد، وليس “منقذًا” يأتي بحلول سحرية. العلاقة معه تكشف شيئًا أعمق: عندما تصل دولة إلى أزمة تمويل حادة، وديون كبيرة، وعجز مزمن، ونقص عملة أجنبية، فإنها تدخل في برامج مالية هدفها الأول استعادة القدرة على السداد والاستقرار النقدي والمالي.
لكن الاستقرار المالي لا يساوي التعافي الاقتصادي. قد يساعد البرنامج في ترتيب التمويل، وتحريك سعر الصرف، وضبط بعض بنود الموازنة، لكنه لا يبني وحده قاعدة إنتاجية، ولا يخلق صناعة، ولا يزرع قمحًا، ولا يعيد هيكلة السوق، ولا يحمي الفقراء تلقائيًا.
في فبراير 2026، أعلن صندوق النقد إتمام المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر، بما أتاح سحب نحو 2.3 مليار دولار، لكنه قال في الوقت نفسه إن التقدم في الإصلاحات الهيكلية الأعمق ما زال غير متكافئ، خصوصًا في تقليص دور الدولة الاقتصادي وتهيئة بيئة منافسة عادلة، وأن الدين المرتفع واحتياجات التمويل الكبيرة يواصلان الضغط على النمو متوسط الأجل (IMF).
إذن المشكلة ليست في العلاقة مع الصندوق من حيث المبدأ، بل في سؤال جوهري: هل تُستخدم هذه العلاقة لإعادة بناء اقتصاد منتج؟ أم لإعادة تمويل النموذج نفسه الذي أنتج الأزمة؟ هل تستخدم لإصلاح بنية الضرائب والإنفاق والمنافسة؟ أم لتأجيل الانفجار عبر مزيد من القروض وخفض العملة ورفع الأسعار وبيع الأصول؟
عندما يدفع المواطن فاتورة التضخم وتراجع العملة ورفع أسعار الطاقة والرسوم والضرائب، بينما لا يرى تحسنًا واضحًا في الإنتاج والتشغيل والخدمات، فإنه لا يفرق بين “إصلاح مالي” و”إصلاح اقتصادي”. هو يرى فقط أن حياته أصبحت أصعب. وهنا تقع مسؤولية الدولة أن تشرح، وتوثق، وتحمي، وتنتج، لا أن تطلب من المواطن الصبر بلا أفق واضح.
سادسًا: الصندوق السيادي وبيع الأصول.. بين الاستثمار وتسييل المستقبل
الصندوق السيادي كفكرة ليس مشكلة في ذاته. دول كثيرة تمتلك صناديق سيادية ناجحة، وبعضها يستثمر فوائض نفطية أو تجارية أو مالية لصالح الأجيال القادمة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الصندوق السيادي من أداة لاستثمار الفوائض إلى آلية لتسييل أصول عامة أو استراتيجية من أجل سد فجوات مالية قصيرة الأجل.
تأسس صندوق مصر السيادي بموجب القانون رقم 177 لسنة 2018 والمشكلة التي تحتاج نقاشًا عامًا ليست في وجود الصندوق فقط، بل في قواعد نقل الأصول إليه، وطبيعة الرقابة عليه، ومدى شفافية تقييم الأصول والتصرف فيها، وحدود الطعن القضائي على العقود والقرارات المرتبطة به. وتشير مواد قانونية وتغطيات صحفية إلى أن التعديلات المرتبطة بالصندوق حصرت أو ضيقت حق الطعن على بعض العقود والقرارات في أطراف التعاقد، وهو ما يثير أسئلة مشروعة حول الرقابة المجتمعية والقضائية على أصول مملوكة في الأصل للشعب (Sistema de Información de Seguridad).
من الأمثلة التي أثارت نقاشًا واسعًا صفقة الفنادق التاريخية في ديسمبر 2023، حين أُعلن عن صفقة بقيمة 800 مليون دولار تتعلق بحصة في سبعة فنادق بارزة مملوكة للدولة عبر شراكة مع مجموعة طلعت مصطفى. ليست القضية أن أي شراكة مع قطاع خاص خطأ، ولا أن كل طرح أو استثمار تفريط، بل القضية هي: كيف تم التقييم؟ ما طبيعة الأصل؟ هل هو بيع أم إدارة أم شراكة؟ هل نُشرت التفاصيل بما يكفي؟ وما الضمانات التي تمنع أن تتحول أصول تاريخية أو استراتيجية إلى مصدر سيولة مؤقتة؟ (Reuters).
والأمر يتجاوز الفنادق؛ صفقة رأس الحكمة مثلًا وفرت تدفقات دولارية ضخمة، إذ أعلنت مصر في فبراير 2024 عن اتفاق استثماري بقيمة 35 مليار دولار مع أبوظبي لتطوير منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي، منها 24 مليار دولار مقابل حقوق تطوير، بحسب رويترز. هذه الصفقات قد تخفف أزمة السيولة قصيرة الأجل، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا طويل الأجل: هل نبني اقتصادًا منتجًا أم نبيع أو نمنح حقوق تطوير مساحات وأصول استراتيجية كلما ضاقت فجوة الدولار؟ (Reuters).
هناك فرق كبير بين أن تستخدم الدولة أصلًا عامًا لخلق قيمة إنتاجية مستدامة، وبين أن تستخدمه لتسكين أزمة سيولة. الأول استثمار؛ الثاني، إذا تكرر بلا ضوابط، قد يتحول إلى نقل تدريجي لثروة عامة وحقوق أجيال قادمة إلى ترتيبات لا يعرف المواطن عنها ما يكفي.
الرقابة هنا ليست عداءً للاستثمار. بالعكس، هي شرط الاستثمار الآمن؛ المستثمر الجاد يحتاج دولة قانون وشفافية، لا دولة تبيع تحت ضغط الأزمة ثم تفتح الملفات لاحقًا في مناخ سياسي واجتماعي مضطرب.
سابعًا: الفجوة الخارجية – نصدر أقل مما نحتاج إلى استيراده
لا يمكن فهم أزمة العملة الأجنبية في مصر دون النظر إلى الميزان الخارجي. فالدولة التي تستورد أكثر بكثير مما تصدر تحتاج دائما إلى مصادر تعويض: سياحة، تحويلات، قناة السويس، استثمار أجنبي، قروض، أو بيع أصول. وإذا تعرض أي من هذه المصادر لهزة، تظهر الأزمة فورًا في سعر الصرف والاحتياطي والأسعار.
تظهر بيانات التجارة غير البترولية لعام 2025 أن الصادرات غير البترولية بلغت نحو 48.567 مليار دولار، بينما بلغت الواردات نحو 83.014 مليار دولار، أي عجزًا تجاريًا غير بترولي يقارب 34.447 مليار دولار، رغم تحسن الصادرات وانخفاض العجز مقارنة بالعام السابق. هذه الأرقام تعني أن المشكلة ليست فقط في نقص الدولار، بل في بنية اقتصاد لا يزال يستورد أكثر بكثير مما يصدر (Diario News Egipto).
بعض الواردات ضروري، خاصة مدخلات الإنتاج والقمح والطاقة والآلات. لكن استمرار فجوة كبيرة بين الصادرات والواردات يعني أن الاقتصاد الحقيقي لم يصل بعد إلى قدرة إنتاجية وتصديرية تكفي لحماية العملة والمعيشة. وكلما زادت الفجوة، زاد الاحتياج إلى الاقتراض أو التدفقات الاستثنائية أو صفقات الأصول.
هنا يعود الفرق بين الاقتصاد والمالية: قد تحل أزمة الدولار مؤقتًا بصفقة أو قرض، لكن الأزمة الحقيقية لا تُحل إلا بزيادة الإنتاج والتصدير وتقليل الاعتماد على الاستيراد غير الضروري.
ثامنًا: المياه والزراعة.. اقتصاد الحياة تحت الضغط
الاقتصاد الحقيقي لا يبدأ من البورصة ولا من المؤتمرات الاستثمارية، بل يبدأ من الماء والغذاء والأرض والفلاح والقدرة على إطعام الناس. لذلك فإن ملف المياه والزراعة ليس ملفًا فنيًا أو بيئيًا فقط، بل هو قلب الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
مصر بلد محدود الموارد المائية، وزراعتها تستهلك النصيب الأكبر من المياه، ومع تزايد السكان وتغير المناخ وضغوط ملف النيل، تتحول المياه إلى تكلفة اقتصادية مباشرة. عندما تتوسع الدولة في التحلية، ومعالجة الصرف وإعادة الاستخدام، ومحطات المياه، وشبكات الصرف، فهي لا تنفق على رفاهية، بل على شرط من شروط البقاء. لكن السؤال يبقى: هل هذا الإنفاق جزء من استراتيجية إنتاجية رشيدة؟ أم يتحول إلى إنفاق تعويضي نتيجة تأخر التخطيط وسوء ترتيب الأولويات؟
أعلنت وزارة التخطيط أن خطة 2025/2026 تستهدف نحو 77 مليار جنيه استثمارات عامة في قطاع مياه الشرب والصرف الصحي، منها 27.8 مليار جنيه لمياه الشرب و49.2 مليار جنيه للصرف الصحي. كما تشير أدلة تجارية ودراسات إلى أن الخطة القومية للموارد المائية 2017-2037 قُدرت بتكلفة تصل إلى نحو 900 مليار جنيه (Mped).
هذه الأرقام تكشف أن إدارة المياه لم تعد شأنًا وزاريًا محدودًا، بل جزء من الاقتصاد الكلي. كل فدان يخرج من الإنتاج، كل محصول يتراجع، كل طن غذاء يُستورد بدل إنتاجه محليًا، كل محطة تحلية أو معالجة تمول بالدين أو الإنفاق العام – كل ذلك يعود إلى المواطن في صورة أسعار أعلى وضغط أكبر على الدولار والموازنة.
وهنا لا يصح الاكتفاء بشعار “الأمن الغذائي”. المطلوب سياسة زراعية حديثة، كفاءة مائية، تحديث الري، حماية الفلاح، تصنيع غذائي، محاصيل استراتيجية، سلاسل توريد عادلة، ربط الزراعة بالصناعة والتصدير، وتقييم واضح للمشروعات الكبرى من حيث العائد الحقيقي لا من حيث الدعاية.
تاسعًا: التضخم والبطالة والفقر – الوجه اليومي للأزمة
لا يشعر المواطن بالأزمة من خلال نسبة الدين إلى الناتج المحلي، ولا من خلال تقارير صندوق النقد، ولا من خلال جداول الموازنة. يشعر بها عندما يذهب إلى السوق، ويدفع فاتورة الكهرباء، ويشتري الدواء، ويفكر في مصروفات المدرسة، أو يحاول شاب أن يجد عملًا يليق بكرامته.
في مايو 2026، بلغ التضخم السنوي للحضر 14.6%، بينما استقر التضخم الأساسي عند 13.8%، وفق بيانات البنك المركزي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. قد يبدو هذا الرقم أقل من ذروات سابقة، لكنه لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوى محتمل؛ التضخم عندما يتراكم عبر سنوات لا يمحو أثره انخفاض المعدل السنوي. فالأسعار التي ارتفعت لا تعود تلقائيًا، والقوة الشرائية التي ضاعت لا تستردها الأسر بمجرد تباطؤ وتيرة الغلاء (cbe.org.eg).
أما البطالة، فرغم أن المعدل العام قد يبدو منخفضًا نسبيًا، فإن بطالة الشباب تكشف جانبًا أكثر قسوة. تشير بيانات CAPMAS المنشورة عبر الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن معدل البطالة بين الشباب في الفئة العمرية 15-29 بلغ 13.2% في 2025، مع فجوة كبيرة بين الذكور والإناث. وهذه الأرقام لا تشرح وحدها حجم العمل الهش، ولا ضعف الأجور، ولا خروج بعض الشباب من سوق العمل أو توقفهم عن البحث (Sistema de Información de Seguridad).
الفقر بدوره يحتاج مصارحة خاصة. آخر رقم رسمي واسع التداول لمعدل الفقر القومي في مصر هو 29.7% في 2019/2020، بعد أن كان 32.5% في 2017/2018. لكن هذا الرقم سابق على موجات تضخم وخفض عملة وارتفاع أسعار واسعة. لذلك لا يجوز استخدامه اليوم وكأنه يعكس بدقة الحالة الاجتماعية في 2026، ولا يجوز في الوقت نفسه اختراع رقم بديل بلا مصدر؛ الصياغة المسؤولة هي أن غياب بيانات فقر حديثة ومنتظمة يضعف قدرة المجتمع على تقييم أثر السياسات، بينما تشير مؤشرات الأسعار والدخل والضغط اليومي إلى ضرورة نشر بيانات محدثة وشفافة عن الفقر والإنفاق والدخل الحقيقي (Sistema de Información de Seguridad).
الدولة التي لا تقيس ألم الناس بدقة لا تستطيع علاجه بعدل.
عاشرًا: المواطن يدفع أكثر من مرة
في هذا النموذج الاقتصادي، يدفَع المواطن الفاتورة أكثر من مرة:
- يدفع أولًا عبر التضخم، عندما تفقد العملة جزءًا من قوتها الشرائية.
- ويدفع ثانيًا عبر الضرائب والرسوم، عندما تعتمد الدولة أكثر على الجباية لتعويض عجز الموارد.
- ويدفع ثالثًا عبر ضعف الخدمات، عندما تبتلع فوائد الدين مساحة الإنفاق العام.
- ويدفع رابعًا عبر بيع أو نقل حقوق الأصول العامة، عندما تستخدم الدولة ملكية الأجيال القادمة لتوفير سيولة اليوم.
- ويدفع خامسًا عبر انسداد فرص العمل الجيدة، عندما لا ينمو الاقتصاد الحقيقي بما يكفي.
- ويدفع سادسًا عبر فقدان الثقة، عندما لا يعرف أين تذهب الموارد ولا من يحاسب من.
هذه ليست مبالغة خطابية. إنها نتيجة مباشرة لتركيب اقتصادي يقوم على الاقتراض، والفوائد، والجباية، والاعتماد على التدفقات الاستثنائية، وتسييل الأصول، بدل بناء قاعدة إنتاجية واسعة وقادرة على التصدير والتشغيل.
الأزمة المصرية ليست أزمة محاسبة مالية فقط، بل أزمة عقد اقتصادي بين الدولة والمجتمع: المواطن يدفع، لكنه لا يرى عائدًا عادلاً؛ الدولة تطلب الصبر، لكنها لا تقدم شفافية كافية؛ الاقتصاد يطلب استثمارًا، لكنه لا يضمن منافسة عادلة؛ الموازنة تطلب ضرائب، لكنها لا تكشف كل الصورة بنفس القدر من الوضوح. وهنا يتسع الثقب الأسود.
ما المطلوب؟ المصارحة قبل أي إصلاح
المطلوب ليس خطابًا انفعاليًا، بل مشروع إنقاذ اقتصادي مبني على المصارحة. وأول المصارحة أن نقول إن الحل لا يبدأ من قرض جديد ولا من بيع أصل جديد ولا من مؤتمر استثماري جديد. هذه قد تكون أدوات، لكنها ليست أساسًا.
الأساس هو إعادة بناء الاقتصاد الحقيقي والمالية العامة معًا:
- يجب أولًا نشر صورة مالية كاملة للدولة، تشمل الموازنة، والهيئات والشركات والصناديق، والالتزامات والضمانات، والكيانات الاقتصادية التابعة للدولة أو الجهات السيادية، بحيث يعرف البرلمان والرأي العام حجم الموارد والإنفاق والدين والمخاطر.
- ويجب ثانيًا وضع خطوط حمراء دستورية وقانونية للتصرف في الأصول العامة والاستراتيجية. ليس كل أصل قابلاً للبيع. وليس كل أزمة سيولة مبررًا لنقل ملكية مستقبلية؛ الأصول الاستراتيجية يجب أن تخضع لرقابة خاصة وإفصاح عن المستفيد النهائي، وتقييم مستقل، وموافقة برلمانية، وآليات رقابة قضائية وشعبية واضحة.
- ويجب ثالثًا تقليص الدور الاقتصادي غير الشفاف للدولة والجهات السيادية لصالح منافسة عادلة، مع حماية الأمن القومي الحقيقي. الجيش يحمي الحدود ولا يجب أن يتحول إلى منافس دائم للقطاع الخاص في الأسواق المدنية. والمؤسسات السيادية يجب أن تخضع لحدود واضحة بين ما هو أمني وما هو تجاري.
- ويجب رابعًا إعادة توجيه السياسة الاقتصادية من إدارة الأزمة إلى بناء الإنتاج: صناعة، زراعة، تصدير، دواء، غذاء، طاقة، تكنولوجيا، لوجستيات، تعليم فني، بحث علمي، وسلاسل قيمة. لا معنى لاستقرار مالي مؤقت إن لم يتحول إلى إنتاج وفرص عمل.
- ويجب خامسًا ربط أي إصلاح مالي بحماية اجتماعية حقيقية. لا يجوز أن يدفع الفقراء والطبقة الوسطى تكلفة الإصلاح وحدهم، بينما تبقى مناطق واسعة من الاقتصاد خارج المنافسة والضريبة والرقابة.
- ويجب سادسًا أن تصبح الأرقام جزءًا من الحق العام: الدين، خدمة الدين، العجز، الفوائد، الإنفاق على الصحة والتعليم، الفقر، البطالة، التضخم، الصادرات، الواردات، الإنتاج الزراعي والصناعي – كل ذلك يجب أن يُنشر بتعريفات واضحة وتواريخ محددة ومصادر قابلة للمراجعة.
خاتمة: المصارحة ليست عداءً للدولة
مصر لا تحتاج إلى خطاب يكره الدولة؛ مصر تحتاج إلى خطاب ينقذ الدولة من نموذج يستنزفها. والفرق كبير بين الهجوم على الوطن وبين مساءلة السياسات التي تضع الوطن والمواطن تحت ضغط دائم.
الثقب الأسود في الاقتصاد المصري ليس قدرًا أبديًا. لكنه لن يُغلق بالإنكار، ولا بالدعاية، ولا بتجميل الأرقام، ولا بإلقاء اللوم على الخارج وحده، ولا ببيع أصل جديد كلما ضاقت السيولة.
يُغلق فقط عندما تعود الدولة إلى قاعدة بسيطة: الإنتاج قبل الجباية، الشفافية قبل الثقة، المواطن قبل السلطة، والأصول العامة قبل الحلول المؤقتة.
استمرار المسار الحالي يرفع مخاطر إنهاك الدولة والمجتمع معًا. أما المصارحة، مهما كانت مؤلمة، فهي بداية الإنقاذ لا نقيضه.