د محمد حسنين يكتب – مصر في عصر الذكاء الاصطناعي: هل تبقى المصالح الحكومية كما هي؟

مصر في عصر الذكاء الاصطناعي: هل تبقى المصالح الحكومية كما هي؟

د/ محمد حسنين

منسق لجنة المبرمجين النقابية

1 يونيو 2026

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة أو موجة عابرة من موجات التطور التكنولوجي، بل أصبح تحولًا حضاريًا يعيد تشكيل الاقتصادات والدول والمؤسسات العامة والخاصة على حد سواء. وفي الوقت الذي تتسابق فيه الحكومات حول العالم لإعادة تصميم خدماتها وإجراءاتها اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال مهم: كيف يجب أن تكون المصالح الحكومية المصرية في هذا العصر الجديد؟

على مدار عقود طويلة، ارتبطت صورة المصلحة الحكومية لدى المواطن بالملفات الورقية والطوابير الطويلة وكثرة الإجراءات وتعدد النوافذ التي يتنقل بينها المواطن لإنهاء خدمة بسيطة. ورغم الجهود الكبيرة التي بُذلت خلال السنوات الأخيرة في مجال التحول الرقمي، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تمامًا، تتجاوز مجرد تحويل الورق إلى ملفات إلكترونية.

في عصر الذكاء الاصطناعي، يجب أن تتحول المصلحة الحكومية من جهة تطلب البيانات من المواطن إلى جهة تعرف البيانات بالفعل. فلا يعقل أن يظل المواطن مطالبًا بتقديم عشرات المستندات التي تمتلكها الدولة أصلًا في قواعد بياناتها المختلفة. المطلوب هو أن تتحدث الأنظمة الحكومية مع بعضها البعض، وأن يتم تبادل المعلومات بصورة آمنة وفعالة، بحيث يصبح دور المواطن هو طلب الخدمة فقط، بينما تتولى الأنظمة الذكية استكمال باقي الإجراءات.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث ثورة حقيقية في الخدمات الحكومية. فبدلًا من انتظار الموظف لمراجعة الطلبات يدويًا، تستطيع الأنظمة الذكية فحص المستندات، واكتشاف الأخطاء، والتحقق من البيانات، وتوجيه الطلبات إلى الجهات المختصة خلال ثوانٍ. كما يمكن للمساعدات الرقمية الذكية أن تتعامل مع استفسارات المواطنين على مدار الساعة، بلغات ولهجات متعددة، مما يرفع جودة الخدمة ويقلل الضغط على الموظفين.

لكن التحول الحقيقي لا يتعلق فقط بالتكنولوجيا، بل بالثقافة الإدارية أيضًا. فنجاح الذكاء الاصطناعي داخل المصالح الحكومية يتطلب إعادة هندسة الإجراءات نفسها. ليس الهدف أن نجعل الإجراءات المعقدة إلكترونية، بل أن نجعلها أبسط وأسرع وأكثر منطقية. فالرقمنة وحدها لا تكفي إذا ظلت البيروقراطية كما هي.

ومن ناحية أخرى، يفرض الذكاء الاصطناعي تحديات لا يمكن تجاهلها. فحماية خصوصية المواطنين وأمن البيانات يجب أن تكون في مقدمة الأولويات. كما أن الاعتماد على الأنظمة الذكية يجب أن يكون مصحوبًا برقابة بشرية فعالة تضمن العدالة والشفافية وعدم التحيز في اتخاذ القرارات.

تمتلك مصر مقومات قوية للاستفادة من هذه الثورة التقنية. فهناك استثمارات متزايدة في البنية التحتية الرقمية، وتوسع في خدمات الحكومة الإلكترونية، وقطاع شاب من المبرمجين والمهندسين القادرين على بناء حلول وطنية تناسب احتياجات الدولة المصرية. لكن النجاح يتطلب رؤية واضحة تجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من استراتيجية تطوير الجهاز الإداري للدولة، وليس مجرد مشروع تقني منفصل.

ربما يأتي اليوم الذي ينهي فيه المواطن معظم معاملاته الحكومية من هاتفه المحمول خلال دقائق معدودة، دون الحاجة إلى زيارة أي مقر حكومي. وعندها لن تكون المصالح الحكومية مجرد مبانٍ ومكاتب، بل منظومة ذكية تعمل في الخلفية لخدمة المواطن بكفاءة وسرعة وشفافية.

إن السؤال لا يجب ان يكون ما إذا كانت المصالح الحكومية ستتغير بفعل الذكاء الاصطناعي، بل مدى سرعة هذا التغيير، ومدى استعدادنا للاستفادة منه. فالدول التي تبدأ اليوم في إعادة تصميم مؤسساتها الحكومية ستكون هي الأكثر قدرة على المنافسة والتنمية في المستقبل، ومصر تملك فرصة حقيقية لتكون في مقدمة هذه الدول إذا أحسنت استثمار هذه اللحظة التاريخية.